شرق المتوسط يشتعل من جديد.. مصر تتحدى اتفاق تركيا وشرق ليبيا وتتمسك بحقوقها الاقتصادية

وهذه إمكانية تسوية الخلافات بين القاهرة وانقرة

أعادت موافقة ما يسمي مجلس النواب الليبي في شرق البلاد، على اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، الموقع عام 2019، فتح واحد من أكثر ملفات شرق المتوسط حساسية، بعدما سارعت القاهرة إلى رفض الخطوة، مؤكدة أن الاتفاق يمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.

ويطرح هذا التطور تساؤلات بشأن أسباب تغير نبرة الموقف المصري، ودلالات التقارب التركي مع معسكر شرق ليبيا، وما إذا كانت أنقرة تستهدف المصالح المصرية مباشرة أم تسعى بالأساس إلى مواجهة الترتيبات البحرية التي تحد من مطالبها الإقليمية..

أسباب رفض مصر

تكمن المفارقة في أن وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري صرح في ديسمبر 2019 بأن الاتفاق البحري التركي الليبي لا يضر بالمصالح المصرية، رغم اعتراض القاهرة على شرعية توقيعه من جانب حكومة الوفاق الليبية آنذاك. كما أكدت مصر وقتها أن الاتفاق لا يمكن أن يؤثر في حقوق الدول الأخرى.

لكن هذا الموقف لا يعني أن القاهرة منحت الاتفاق قبولاً قانونياً نهائياً، أو تخلت عن حقها في مراجعة آثاره. فقد اعترضت مصر على الاتفاق منذ توقيعه، ثم أودعت اعتراضاً رسمياً لدى الأمم المتحدة، وأكدت في موقفها المعلن في أكتوبر 2026 أنه يمس حقوقها البحرية.

والتفسير الأقرب لهذا التحول في النبرة هو أن القاهرة باتت تنظر إلى الاتفاق في ضوء التطورات اللاحقة، بما فيها تقارب أنقرة مع السلطات في شرق ليبيا، والتحركات المرتبطة بالتعاون في مجال التنقيب عن الطاقة.

كما أن مذكرة التعاون بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة البترول التركية في يونيو 2025 أثارت اعتراضاً مصرياً منفصلاً، بعدما قالت القاهرة إن إحدى مناطق المسح البحري تتداخل مع حدودها البحرية المعلنة.

وبذلك، لا يتعلق الخلاف بمجرد وثيقة وقعت قبل سبع سنوات، بل بمدى إمكانية تحويل المطالب البحرية الواردة فيها إلى أساس لتحركات عملية في مناطق متنازع عليها. المصادر: الأمم المتحدة، ليبيا أوبزرفر.

تجاهل برلمان شرق ليبيا للمصالح المصرية

وفي هذا السياق يحمل تصديق البرلمان الليبي دلالة سياسية مهمة؛ فهو يعكس انتقال العلاقة بين أنقرة ومعسكر شرق ليبيا من سنوات التنافس والعداء إلى مرحلة من التقارب العملي، رغم أن هذا المعسكر كان يعارض الاتفاق في السابق.

وتكمن حساسية الخطوة بالنسبة إلى القاهرة في أن مصر دعمت لسنوات سلطات شرق ليبيا، ورأت في استقرار المنطقة والحفاظ على وحدة المؤسسات الليبية جزءاً من أمنها القومي. ومن ثم، فإن إقرار اتفاق مع تركيا، التي كانت طرفاً رئيسياً في الصراع الليبي، يثير تساؤلات حول مدى مراعاة حسابات القاهرة.

لكن لا يمكن الجزم بأن التصديق يمثل تعمداً للإضرار بمصر؛ فقد برر مؤيدوه الخطوة بأنها تحمي المصالح الاقتصادية الليبية وتفتح المجال أمام التعاون مع تركيا. والأرجح أن القيادة السياسية في شرق ليبيا تسعى إلى توسيع خياراتها الخارجية، والاستفادة من العلاقات الاقتصادية والأمنية مع أنقرة، حتى إن أدى ذلك إلى اختلاف مع القاهرة.

ومع ذلك، فإن أي تفاهمات بحرية لا تستطيع، بمجرد اعتمادها محلياً، إلغاء الحقوق التي تتمسك بها دولة ثالثة أو حسم النزاعات القانونية المتعلقة بحدودها.

استهداف اليونان وقبرص وإسرائيل

تقدم المصالح الاستراتيجية التركية تفسيراً أوسع للتحرك. فقد سعت أنقرة من خلال اتفاق 2019 إلى تثبيت تصورها للحدود البحرية في شرق المتوسط، والاعتراض على ما تعتبره تقليصاً غير عادل للمناطق البحرية التي يمكن أن تستفيد منها، خصوصاً في مواجهة اليونان والجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي.

ويأتي ذلك في سياق اعتراض تركيا على اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين مصر واليونان عام 2020، الذي اعتبرت أنقرة أنه ينتقص من مطالبها البحرية. وهكذا أصبح الاتفاق التركي الليبي أداة ضمن صراع أوسع حول توزيع مناطق النفوذ وحقوق التنقيب عن الغاز والطاقة.

أما إسرائيل، فتتصل مصالحها بالتعاون الإقليمي في الطاقة ومشروعات الربط الكهربائي، ومنها مشروع الربط البحري الذي يستهدف وصل أوروبا بقبرص ثم إسرائيل. غير أن القول إن الاتفاق يستهدف إسرائيل تحديداً، أو إن الإضرار بمصر ليس إلا هدفاً ثانوياً محسومًا، يتجاوز ما تثبته الوثائق المتاحة.

ومن الواضح  أن الاتفاق يخدم المطالب البحرية التركية، وتترتب عليه آثار مباشرة في حسابات عدة دول، بينها مصر واليونان وقبرص وإسرائيل..

فرص تسوية الأزمة بين القاهرة وأنقرة

من ناحية أخري لا يعني الخلاف البحري بالضرورة انهيار مسار التقارب المصري التركي؛ فالعلاقات بين البلدين تتجاوز هذا الملف إلى التجارة والاستثمار والأمن الإقليمي، كما أن كليهما يملك مصلحة في تجنب تصعيد يهدد الاستقرار ويفتح جبهات خلاف جديدة.

وتبقى التسوية ممكنة عبر ثلاثة مسارات: أولها حوار فني وقانوني مباشر لتحديد مناطق التداخل البحري، وثانيها التزام جميع الأطراف بعدم اتخاذ خطوات أحادية تفرض واقعاً جديداً في المناطق المتنازع عليها، وثالثها فصل الخلاف البحري عن ملفات التعاون الأخرى، مع الاستعانة بالوساطة أو الآليات الدولية عند الضرورة.

وقد أكدت القاهرة في مذكرتها إلى الأمم المتحدة استعدادها للتعاون والتفاوض بحسن نية مع الدول المجاورة للتوصل إلى حلول عادلة وفقاً للقانون الدولي. لكن نجاح هذا المسار يتطلب استعداداً تركياً وليبياً مقابلاً للتعامل مع الاعتراضات المصرية بجدية.

وتكشف الأزمة أن التقارب السياسي لا يلغي تضارب المصالح، وأن الاتفاقات البحرية لا تُقاس فقط بما يحققه كل طرف لنفسه، بل أيضاً بما تتركه من آثار على حقوق الآخرين. وبين إصرار مصر على حماية حدودها البحرية وسعي تركيا إلى تعزيز موقعها في شرق المتوسط، ستظل التسوية مرهونة بقدرة الأطراف على الانتقال من تثبيت المطالب الأحادية إلى التفاوض على قواعد واضحة لتقاسم الحقوق والمصالح

اترك تعليقا