سيناريوهات على طاولة قمة الدوحة

بين ضغط الشارع وضغط الحليف

لم يكن انعقاد قمة الدوحة العربية  الإسلامية الطارئة حدثًا عابرًا أو اجتماعًا بروتوكوليًا في جدول الزعماء. بل جاء استجابة لصاعقة سياسية وأمنية أربكت العواصم، بعدما اخترقت الطائرات الإسرائيلية سماء قطر،

واستهدفت قيادات من حركة حماس في قلب الدوحة، في سابقة لم يشهدها الخليج. هذا التطور حوّل الأنظار نحو العاصمة القطرية، حيث اجتمع القادة في أجواء مشحونة بالغضب، تتقاطع فيها حسابات السيادة مع تعقيدات القضية الفلسطينية، وضغوط الداخل مع توازنات الخارج.

القمة، منذ اللحظة الأولى، حُمّلت بآمال شعوب تتطلع إلى قرارات تتجاوز بيانات الإدانة المعتادة، وتكسر دائرة العجز العربي  الإسلامي أمام إسرائيل.

ومع ذلك، فإن الخيارات المطروحة أمام الزعماء ليست سهلة، فهي تتوزع بين سيناريوهات صعبة التنفيذ لكنها تحمل رمزية قوية، وأخرى واقعية لكنها قد تبدو ضعيفة في نظر الشارع.

بين الغضب الشعبي وحسابات الدولة

دخلت الوفود إلى قاعة القمة وهي تدرك أن المشهد مختلف هذه المرة. الغضب الشعبي في الشوارع العربية والإسلامية بلغ مستويات غير مسبوقة، خصوصًا مع اعتبار الهجوم على قطر تعديًا على السيادة الجماعية لكل دولة.

وفي المقابل، كان أمام الزعماء هاجس الحفاظ على مصالح بلدانهم وعلاقاتهم الدولية، خصوصًا مع الولايات المتحدة التي سارعت إلى إعلان دعمها لإسرائيل رغم “عدم رضاها” عن توقيت العملية.

هذه الثنائية بين ضغط الشارع وضغط الحليف  شكلت الخلفية التي نُسجت فوقها السيناريوهات المطروحة على طاولة النقاش.

وقف التطبيع وسحب السفراء

أكثر السيناريوهات إثارة للجدل كان اقتراح وقف مسار التطبيع الذي تبنته عدة دول عربية خلال السنوات الأخيرة. أصوات كثيرة رأت أن استمرار العلاقات الطبيعية مع إسرائيل بعد هذا الاعتداء سيكون تناقضًا فاضحًا مع أي خطاب عن السيادة أو التضامن.

طرح بعض القادة فكرة سحب السفراء كخطوة أولى، يليها إعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة.

هذا السيناريو يملك جاذبية رمزية وشعبية، فهو يعيد الاعتبار لفكرة أن التطبيع ليس “شيكًا على بياض” يمكن لإسرائيل استغلاله بينما تواصل اعتداءاتها.

غير أن العقبات كبيرة، فهناك دول مرتبطة بعقود اقتصادية وصفقات عسكرية ومشاريع استراتيجية يصعب التخلي عنها بسهولة.

كما أن التباين بين المواقف قد يؤدي إلى قرار جماعي ضعيف، يكتفي بعبارة “إعادة تقييم” بدل القطيعة الفعلية.

المقاطعة الاقتصادية والثقافية

خيار آخر نوقش بجدية، وهو استخدام سلاح المقاطعة كأداة ضغط. يتضمن ذلك مقاطعة الشركات الإسرائيلية، حظر المشاركة في الفعاليات الرياضية والثقافية المشتركة، أو فرض قيود على التجارة.

المدافعون عن هذا الخيار يرون أن العالم تغيّر، وأن حملات المقاطعة الشعبية مثل حركة BDS أثبتت أن الضغط الاقتصادي والثقافي يمكن أن يترك أثرًا ملموسًا على صورة إسرائيل وشرعيتها. إذا تبنّت الدول العربية والإسلامية موقفًا موحدًا، فقد يشكّل ذلك قوة دفع مضاعفة.

لكن هنا أيضًا يبرز سؤال التنفيذ: هل يمكن إقناع كل الدول بالمضي في مقاطعة قد تضر بمصالحها؟ وهل ستلتزم الاقتصادات الكبرى بالفعل، أم سيقتصر التطبيق على دول أقل انخراطًا مع إسرائيل؟

: تعزيز الوساطة القطرية والمصرية

في قلب القمة، طرح سيناريو عملي أكثر، يقوم على تثبيت دور قطر ومصر كوسطاء أساسيين في مسار وقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى. فالقادة أدركوا أن استهداف إسرائيل لقطر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل رسالة مفادها أن الوساطة العربية قد تُدفع ثمنًا إذا تجاوزت حدودًا معينة.

بالتالي، جاء الرد في شكل نقاش حول منح الدوحة والقاهرة تفويضًا موسعًا، مع دعم سياسي ومالي عربي إسلامي، كي تستمر الوساطة بقوة مضاعفة.

هذا الخيار يعزز المكانة الإقليمية للدول العربية، ويحول الاعتداء الإسرائيلي إلى فرصة لتأكيد أن لا بديل عن القنوات العربية في أي حل.

العقبة الأساسية هنا تكمن في التزام إسرائيل؛ فالتجارب السابقة أظهرت أن تل أبيب قد تستخدم الوساطة لكسب الوقت دون تقديم تنازلات حقيقية.

التحرك القانوني والدبلوماسي الدولي

خيار آخر حضر بقوة على الطاولة هو اللجوء إلى القانون الدولي. ويتضمن رفع قضايا أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، وتقديم شكاوى لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

هذا السيناريو يمنح الموقف العربي شرعية دولية ويحرج إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، خصوصًا في ظل تزايد الانتقادات الغربية لسياستها في غزة. كما أنه يوفر للدول المترددة غطاءً “قانونيًا” يخفف من اتهامات التقاعس.

لكن، وكما أشار بعض القادة، فإن هذا الطريق طويل وبطيء، وقد يصطدم بالفيتو الأمريكي في مجلس الأمن. وبالتالي، يظل رهانه الأكبر على المدى البعيد لا القصير.

إجراءات أمنية مشتركة

وسط النقاشات، برز أيضًا حديث عن تعزيز التعاون الأمني والعسكري العربي – الإسلامي. الطرح شمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، مراقبة الأجواء، وحتى التفكير في تشكيل قوة دفاعية رمزية تُظهر أن الاعتداء على أي دولة عضو لن يمر دون رد.

هذا السيناريو يحمل طابعًا ردعيًا، لكنه في الوقت نفسه محفوف بالتعقيدات. الدول تختلف قدراتها واستعدادها للدخول في مواجهة مباشرة،

كما أن أي إجراء عسكري قد يُعتبر تصعيدًا خطيرًا في ظل الوضع الإقليمي المتوتر. لذا، رجّح مراقبون أن يقتصر الأمر على بيانات عن “تعزيز التنسيق الأمني”، دون خطوات تنفيذية كبيرة.

الدعم الإنساني العاجل لغزة

رغم أن الدافع المباشر للقمة كان الهجوم على قطر، فإن القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة، خصوصًا في جانبها الإنساني. طرحت عدة وفود مبادرات لتكثيف المساعدات إلى غزة، وضمان فتح المعابر، وتوفير دعم مالي لإعادة الإعمار.

هذا السيناريو يحظى بإجماع نسبي لأنه يقدّم للعالم صورة إيجابية عن الدول العربية والإسلامية كحاضنة إنسانية. كما أنه يتماشى مع حاجة عاجلة لسكان غزة المنهكين من الحرب والحصار.

التحدي الأساسي يكمن في التنسيق مع المنظمات الدولية وضمان عدم عرقلة إسرائيل لدخول المساعدات، إضافة إلى الحاجة لموارد مالية ضخمة في وقت تعاني فيه كثير من الدول من ضغوط اقتصادية.

السيناريوهات السلبية أو سيناريو الفشل

لم تغب عن النقاش احتمالات أن تنتهي القمة دون قرارات عملية. هذا السيناريو يقوم على إصدار بيان ختامي قوي في لهجته لكنه فارغ في مضمونه.

أسباب هذا الاحتمال عديدة: أولها التباين الحاد بين مواقف الدول من التطبيع، وثانيها الضغوط الأمريكية، وثالثها هواجس بعض الأنظمة من أن تؤدي خطوات جذرية إلى اضطرابات اقتصادية أو أمنية.

تكرار هذا السيناريو سيُفقد القمة صدقيتها، ويزيد من فجوة الثقة بين الشعوب وحكوماتها. وهو ما حاولت قطر تفاديه عبر الدفع نحو قرارات ملموسة على الأقل في المجالين الإنساني والدبلوماسي.

بين الممكن والمأمول

المحصلة أن القمة واجهت معضلة كلاسيكية: ما يريده الشارع مختلف عمّا تستطيع الحكومات فعله. الشعوب تطالب بقطع العلاقات ووقف التطبيع وتبني مواقف حاسمة، بينما الزعماء يضعون في حساباتهم توازن القوى العالمي ومصالحهم الاقتصادية.

السيناريو الأكثر واقعية يبدو مزيجًا من عدة مسارات: خطوات دبلوماسية وقانونية، دعم إنساني عاجل، تعزيز الوساطة، وربما إشارات رمزية إلى مراجعة مسار التطبيع. أما السيناريوهات القصوى مثل القطيعة الكاملة أو التحرك العسكري  فتظل بعيدة في المدى المنظور.

قمة الدوحة لم تكن مجرد اجتماع، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة العالم العربي والإسلامي على تحويل الغضب إلى أفعال. السيناريوهات التي طُرحت تكشف حجم التحدي:

بين الرغبة في موقف موحد يرد الاعتبار للسيادة والكرامة، وبين واقع سياسي معقد يقيد حركة القادة.

النتيجة النهائية، سواء جاءت قوية أو ضعيفة، ستبقى نقطة مرجعية في مسار العلاقة بين العرب وإسرائيل.

فإما أن تؤسس القمة لمرحلة جديدة من الفعل الجماعي، أو تتحول إلى حلقة إضافية في سلسلة بيانات لم تغيّر شيئًا في ميزان القوى. وفي الحالتين، فإن الشعوب تراقب وتنتظر، والرهان الأكبر يظل على الإرادة السياسية في أن تتجاوز الأقوال إلى الأفعال.