سويسرا تعيد تعريف حيادها تحت ضغط أوروبا

مفهوم الحياد الذي شكّل أحد أكثر ثوابت سياستها الخارجية

دخلت سويسرا مرحلة جديدة من الجدل حول مفهوم الحياد الذي شكّل أحد أكثر ثوابت سياستها الخارجية، بعدما رفضت الحكومة السويسرية الثلاثاء التفسير الصارم للحياد الذي يسعى ناشطون إلى تثبيته دستوريًا من خلال استفتاء مرتقب.

المسألة تتجاوز خلافًا قانونيًا حول صياغة الدستور، لأنها تعكس التحول الذي أصاب موقع سويسرا في أوروبا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. فقد وجدت برن نفسها أمام معادلة صعبة: المحافظة على صورة الدولة المحايدة القادرة على لعب دور الوسيط، وفي الوقت نفسه عدم الانفصال عن السياسات الأمنية والاقتصادية الأوروبية.

وتدفع القوى المؤيدة للتفسير التقليدي للحياد باتجاه منع سويسرا من الانضمام إلى إجراءات يمكن أن تُفسر باعتبارها اصطفافًا مع طرف في صراع دولي. أما الحكومة فتتبنى رؤية أكثر مرونة ترى أن الحياد لا يعني العزلة، وأن سويسرا تستطيع التعاون مع شركائها الأوروبيين في مجالات الأمن والدفاع والسياسة الخارجية دون التخلي عن وضعها المحايد.

وتكشف هذه المواجهة عن أزمة أعمق في السياسة السويسرية. فالحياد الذي كان في السابق مصدرًا للقوة الدبلوماسية أصبح، في بيئة أوروبية أكثر اضطرابًا، موضع نقاش حول حدوده العملية. فالدولة الواقعة في قلب أوروبا لا تستطيع التعامل مع التحولات الأمنية حولها باعتبارها شأنًا خارجيًا بالكامل.

واللافت أن الحكومة لا تواجه فقط ضغطًا من الخارج، وإنما انقسامًا داخليًا حول معنى الحياد نفسه. فأنصار التشدد يرون أن أي تخفيف للحياد قد يبدد إحدى أهم ركائز الهوية السياسية السويسرية، بينما يرى الاتجاه الآخر أن التمسك بتعريف جامد قد يحول الحياد من أداة دبلوماسية إلى قيد استراتيجي.

وتأتي القضية في وقت تتزايد فيه الضغوط على الدول الأوروبية لإعادة تقييم سياساتها الأمنية. ولذلك فإن نتيجة الاستفتاء، إذا مضت الإجراءات نحوه، لن تكون مسألة سويسرية محضة؛ بل يمكن أن تتحول إلى اختبار أوروبي لفكرة ما إذا كان الحياد التقليدي قادرًا على الاستمرار في بيئة دولية تتراجع فيها المساحات الرمادية بين التحالفات والخصومات.

ومن الناحية السياسية، تواجه برن خطرين متعاكسين. الأول هو أن تؤدي المرونة الزائدة إلى فقدان جزء من المصداقية التي اكتسبتها سويسرا تاريخيًا كدولة محايدة. والثاني أن يؤدي التشدد إلى عزلها تدريجيًا عن المنظومة الأمنية والسياسية الأوروبية التي أصبحت أكثر ترابطًا.

المسار المرجح خلال الفترة المقبلة هو استمرار محاولة الحكومة السويسرية صياغة حياد أكثر مرونة، لا يتخلى عن المبدأ لكنه يعيد تفسير أدواته. غير أن نجاح هذا الخيار سيتوقف على قدرة برن على إقناع المجتمع السويسري بأن الحياد يمكن أن يتغير في أدواته من دون أن يفقد جوهره.

المصدر: وكالة رويترز

اترك تعليقا