سوريا: هدنة هشة في السويداء وتحركات دولية متباينة

وسط تصاعد القلق الإنساني

تشهد سوريا اليوم الإثنين حالة من الهدوء الحذر بعد أسبوع دموي من الاشتباكات الطائفية في محافظة السويداء جنوب البلاد، أسفرت عن مقتل أكثر من 1,000 شخص ونزوح عشرات الآلاف، بحسب تقديرات “المرصد السوري لحقوق الإنسان” ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”.

ورغم إعلان الحكومة المؤقتة في دمشق تثبيت وقف إطلاق النار، إلا أن مؤشرات كثيرة تدل على هشاشته في ظل غياب معالجة جذرية للمسببات الطائفية والسياسية للنزاع.

وفي مشهد معقد تتقاطع فيه التحالفات والتدخلات، نفذت إسرائيل غارات جوية قالت إنها تهدف إلى “منع مجازر جماعية بحق الدروز”، ما أثار ردود فعل متباينة. فقد اعتبرت صحيفة “هآرتس” أن الضربات الإسرائيلية “رسالة واضحة لإيران والنظام السوري بأن حماية الأقليات، خصوصًا الدروز، خط أحمر”.

بينما انتقدت الولايات المتحدة هذه الضربات علنًا، مؤكدة في بيان لوزارة الخارجية أنها “تزيد التوترات في لحظة حرجة كان يجب أن تركز فيها الجهود على تثبيت الهدنة لا تفجيرها”.

وفي السياق ذاته، قال الباحث في الشأن السوري جوشوا لانديس في مقابلة مع قناة PBS إن “السويداء تمثل اختبارًا مصيريًا للحكومة المؤقتة التي تحتاج لإثبات قدرتها على الحكم ومنع الفوضى في المناطق المحررة من سلطة النظام السابق، دون اللجوء إلى أدوات القمع التي تميز بها النظام الأسدي”.

سياسيًا، تستند الحكومة السورية المؤقتة إلى دعم جزئي من واشنطن ودول أوروبية عدة، وهو دعم يتركز على ملفي “إعادة الاستقرار المحلي” و”مكافحة الإرهاب”،

ولكن بشروط. وفي تعليق على تطورات الجنوب، أكدت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن “أي دعم دولي لن يكون مفتوحًا ما لم تُتخذ خطوات جادة تجاه بناء مؤسسات انتقالية تحترم حقوق الإنسان، وتبدأ تحقيقًا في الجرائم الأخيرة التي سقط فيها مدنيون أبرياء”.

وفي السياق الحقوقي، قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن لديها شهادات موثقة تشير إلى استخدام القوة المفرطة، وتنفيذ عمليات إعدام ميدانية في بعض قرى البدو، مؤكدة أن “التغاضي الدولي عن هذه التجاوزات سيشجع على تكرارها في مناطق أخرى”.

كما دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك إلى “تحقيق فوري ومستقل في ما حدث في السويداء”، مؤكدًا أن المسؤولين عن الانتهاكات “يجب أن يُحاسَبوا مهما كانت مواقعهم”.

من جهة أخرى، أثارت الهجرة القسرية لعائلات بدوية من السويداء انتقادات حقوقية ودينية، إذ وصفها شيخ العقل حكمت الهجري بأنها “أمر مؤسف يخالف قيم التعايش التي عُرفت بها السويداء لعقود”، داعيًا إلى حماية المدنيين وعدم تحميلهم تبعات الخلافات السياسية أو الأمنية.

اقتصاديًا، حذر تقرير مشترك صادر عن برنامج الغذاء العالمي (WFP) ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) من أن “النزوح الجماعي الأخير في الجنوب قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الغذائية والإنسانية”، حيث يعيش أكثر من 13 مليون سوري في حالة من انعدام الأمن الغذائي، بينما لا تزال المساعدات الإنسانية تواجه عقبات لوجستية وأمنية.

يرى مراقبون أن ما يحدث في السويداء يمثل “سوريا مصغرة” من حيث تعقيد التداخل بين العرقي والديني والسياسي.

وفي هذا السياق، كتب المحلل السياسي الفرنسي جان-بيار فيليو في صحيفة لوموند أن “سوريا الجديدة لن تقوم على انتصارات عسكرية بل على تسويات مؤلمة، تُنهي عقلية الانتقام وتؤسس لمواطنة متساوية”.

إلا أن استمرار الخطاب المتشدد من بعض أطراف الحكومة المؤقتة، وتردد المجتمع الدولي في فرض آليات محاسبة، يهددان بجعل الهدنة الحالية مجرد هدنة مؤقتة، تُمهّد لجولة قادمة من العنف.

وبين تطمينات السلطة الجديدة، وتحذيرات المنظمات الحقوقية، وتدخلات الخارج، تبقى سوريا اليوم على مفترق حساس، يحتاج إلى أكثر من وقف لإطلاق النار؛ يحتاج إلى خارطة طريق حقيقية نحو عدالة انتقالية ومصالحة وطنية، قبل أن تتجدد الحرب بثوب آخر.