سوريا تواجه اختباراً صحياً جديداً مع عودة السكان إلى الشمال الشرقي
كيف تتحول الأزمات السياسية والحروب الطويلة إلى أمراض مزمنة؟
- dr-naga
- 29 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- أمراض مزمنة, الأزمات السياسية, الأزمة السورية, الحروب, الحسكة, الشمال السوري, الصحة السورية, النظام الصحي في سوريا, سوريا, منظمة الصحة العالمية
الرائد// يواجه القطاع الصحي في سوريا اختباراً حرجاً وغير مسبوق، مدفوعاً بالموجات الكثيفة لعودة السكان والنازحين إلى مناطقهم الأصلية في الشمال الشرقي للبلاد. فبينما تحمل هذه العودة بصيصاً من الاستقرار الاجتماعي، فإنها تضع البنية التحتية الطبية المتهالكة أمام ضغوط استيعابية تفوق قدرتها الحالية. ويتزامن هذا التدفق السكاني مع نقص حاد في الكوادر والمستلزمات الطبية وشح المياه النظيفة، مما يدق ناقوس الخطر حول قدرة المنظومة الصحية على الصمود، ويفتح الباب أمام تحديات إنسانية وبيئية معقدة تحتاج إلى استجابة دولية عاجلة.
في هذا الشأن سلطت منظمة الصحة العالمية الضوء على واقع الخدمات الصحية، في 27 أغسطس 2026، علي محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، من خلال متابعة عمل مركز عمودة الصحي، حيث يواصل الطبيب خالد استقبال مرضى يعانون من أمراض مزمنة وحالات صحية تفاقمت خلال سنوات الحرب وتراجع الخدمات. وتأتي المتابعة في وقت تشهد فيه المنطقة تغيرات سياسية وأمنية واسعة، ما يجعل قدرة النظام الصحي على استيعاب السكان العائدين والمجتمعات المحلية اختباراً أساسياً للمرحلة المقبلة.
احتياجات متراكمة للعاملين في القطاع الصحي
وتقول منظمة الصحة العالمية إن العاملين الصحيين في شمال شرقي سوريا يواجهون احتياجات متراكمة، بينما تعمل المراكز الصحية بموارد محدودة. وتكشف حالة مركز عمودة أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتوفير العلاج الطارئ فقط، بل بقدرة المرافق على تقديم خدمات مستمرة لمرضى السكري والضغط والأمراض المزمنة، وهي خدمات تحتاج إلى أدوية منتظمة وكوادر مدربة ومختبرات وإحالات إلى مستشفيات متخصصة.
وتبرز أهمية هذا الملف مع التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة. فعودة المؤسسات الحكومية إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة مختلفة تعني أن عملية إعادة توحيد الدولة لا تقتصر على الأمن والإدارة، وإنما تشمل أيضاً إعادة بناء منظومة الخدمات العامة.
ويحذر العاملون في المجال الصحي من أن الانتقال المؤسسي إذا لم يصاحبه تمويل كافٍ قد يؤدي إلى فجوة بين الإعلان عن توحيد المؤسسات وبين قدرة المواطنين فعلياً على الوصول إلى العلاج.
كيف تتحول الأزمات السياسية والحروب الطويلة إلى أمراض مزمنة؟
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأزمة السورية خلفت احتياجات صحية واسعة، وأن إعادة تأهيل النظام الصحي تتطلب دعماً طويل الأجل، وليس مجرد تدخلات طارئة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في المناطق التي تضررت فيها المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والنقل.
ويقول الدكتور خالد، الطبيب العامل في مركز عمودة الصحي، وفق متابعة المنظمة، إن الحالات التي يراها يومياً تعكس حجم الاحتياجات المتراكمة لدى السكان. وهذه الشهادة الميدانية أكثر أهمية من الأرقام المجردة، لأنها تظهر كيف تتحول الأزمات السياسية والحروب الطويلة إلى أمراض مزمنة ومشكلات صحية تستمر بعد توقف المعارك.
إعادة بناء المستشفيات وتأهيل الكوادر الصحية
وتكشف الحالة السورية كذلك مشكلة تمويل إعادة الإعمار. فالمجتمع الدولي غالباً ما يركز خلال الحرب على المساعدات الإنسانية، بينما تحتاج مرحلة ما بعد الحرب إلى تمويل مختلف تماماً: إعادة بناء المستشفيات، تأهيل الكوادر، استعادة سلاسل توريد الأدوية، إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وإعادة تشغيل الخدمات الطبية المحلية.
ولا تبدو هذه المهمة سهلة في بلد يعاني من ضعف اقتصادي واسع. فحتى إذا تحسن الوضع الأمني، فإن نقص الموارد المالية يمكن أن يؤخر عودة الخدمات إلى مستوياتها السابقة.
ومن هنا فإن نجاح أي عملية سياسية في شمال شرقي سوريا سيقاس أيضاً بمؤشرات أقل ظهوراً في الأخبار:
هل يستطيع المواطن الحصول على دوائه؟
هل تعمل المراكز الصحية بانتظام؟
هل يستطيع المريض الوصول إلى مستشفى متخصص؟
وهل توجد أدوية للأمراض المزمنة بصورة مستمرة؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر ارتباطاً بحياة السكان من ترتيبات المناصب والحدود الإدارية.
كما أن إعادة بناء الصحة العامة يمكن أن تكون مدخلاً مهماً لبناء الثقة بين السكان والدولة. فالمواطن الذي يرى مستشفى يعمل ومدرسة مفتوحة وخدمة مياه مستقرة سيشعر بتغير ملموس في حياته، بينما قد تبقى التسويات السياسية مجرد اتفاقات بعيدة عن حياته اليومية إذا لم تتحول إلى خدمات.
وتشير متابعة منظمة الصحة العالمية في الحسكة إلى أن سوريا تدخل مرحلة تحتاج فيها إلى الانتقال تدريجياً من إدارة الطوارئ إلى إعادة بناء المؤسسات. وهذا الانتقال يتطلب تعاوناً بين الحكومة السورية والمنظمات الدولية والسلطات المحلية والمجتمعات نفسها.
لكن الخطر يكمن في أن تتحول إعادة توحيد المؤسسات إلى عملية إدارية فقط، من دون إعادة بناء فعلي للقدرات البشرية والمالية. فالقطاع الصحي لا يمكن توحيده بقرار سياسي إذا بقيت المستشفيات بلا أطباء أو أدوية أو تجهيزات.
ولهذا فإن تجربة مركز عمودة الصحي تقدم مؤشراً صغيراً لكنه مهم على طبيعة المرحلة السورية المقبلة: نجاح الدولة لن يقاس فقط بقدرتها على استعادة السيطرة الإدارية، بل بقدرتها على تحويل هذه السيطرة إلى خدمات عامة تصل إلى المواطنين في المناطق التي عاشت سنوات خارج مؤسسات الدولة المركزية.
المصادر والتاريخ:
منظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، متابعة مركز عمودة الصحي في الحسكة، 27 أغسطس 2026.
منظمة الصحة العالمية، بيانات ومتابعة الوضع الصحي في سوريا، أغسطس 2026.