سلطنة عُمان تعزز جاذبيتها الاقتصادية بملف استثماري جديد

بوصلة الاستثمار تتجه نحو مسقط

الرائد// أعلنت عُمان خلال الأيام الأخيرة عن تحرك جديد لتوسيع الاستثمار في القطاع الصناعي، بعدما كشفت بيانات رسمية أن القطاع يشهد نمواً متسارعاً واستثمارات مرتفعة القيمة، في إطار توجه حكومي لتحويل الصناعة إلى أحد المحركات الرئيسية للتنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط. وفق وكالة الأنباء العُمانية .

الخبر الأساسي ليس مجرد ارتفاع الاستثمارات، وإنما انتقال السياسة الصناعية العُمانية إلى مرحلة تحاول فيها الدولة جذب استثمارات مرتبطة بسلاسل إنتاج كاملة، بدلاً من الاكتفاء بمشروعات منفردة. وتشير الوكالة إلى أن القطاع يشهد تحولاً نوعياً مع توسع الاستثمارات ذات القيمة المرتفعة.

التنويع الاقتصادي

وتأتي هذه الخطوة في سياق «رؤية عُمان 2040»، التي تجعل التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية من أهدافها الأساسية. لكن أهمية التطور الحالي تكمن في السؤال الأصعب: هل تستطيع الاستثمارات الصناعية الجديدة خلق قيمة مضافة ووظائف مستقرة، أم ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بالمشروعات الكبرى التي تقودها الدولة؟

وتحاول السلطنة خلال السنوات الأخيرة تطوير قطاعات مثل التعدين والصناعات التحويلية والبتروكيماويات واللوجستيات والغذاء، مستفيدة من موقعها الجغرافي على بحر عُمان وبحر العرب وقربها من طرق التجارة الدولية.

ويعطي الاستثمار الصناعي ميزة لا يوفرها تصدير المواد الخام وحده، لأنه يسمح بتحويل الموارد المحلية إلى منتجات ذات قيمة أعلى، ويخلق طلباً على النقل والخدمات الهندسية والصيانة والتقنية والتدريب.

لكن الخبير الاقتصادي لا يستطيع اعتبار زيادة قيمة الاستثمارات نجاحاً كاملاً من دون معرفة حجم الوظائف التي تولدها هذه المشروعات ونسبة المكون المحلي فيها.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الاختبار بالنسبة إلى عُمان. فإذا كانت المصانع تعتمد بصورة كبيرة على المعدات والخبرات والمواد المستوردة، ثم تصدر إنتاجها إلى الخارج، فقد ترتفع قيمة الصادرات والاستثمارات من دون أن يكون الأثر المحلي بالقدر المتوقع.

أما إذا نجحت السلطنة في بناء سلاسل توريد محلية مرتبطة بالمصانع الكبرى، فإن الأثر الاقتصادي سيكون أوسع بكثير، خصوصاً على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وهذا يتطلب تدريب العمالة العُمانية على الوظائف الفنية والهندسية، وليس الاكتفاء بالوظائف الإدارية. فالصناعة الحديثة تحتاج إلى تقنيين ومهندسي تشغيل وصيانة ومختصي أتمتة وذكاء اصطناعي وسلاسل إمداد.

وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في التعليم المهني جزءاً من السياسة الصناعية نفسها.

تطوير المناطق الصناعية

وتكشف التجربة العُمانية أيضاً أن جذب رأس المال وحده لا يكفي. فالمستثمر الصناعي يحتاج إلى كهرباء ومياه وطرق وموانئ واتصالات سريعة، إضافة إلى إجراءات حكومية مستقرة وسريعة. ولذلك فإن تطوير المناطق الصناعية والاقتصادية الخاصة يصبح جزءاً أساسياً من القدرة على المنافسة.

الموقع الجغرافي

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الحكومة تراهن على موقع عُمان الجغرافي كميزة لوجستية، لكن الموقع وحده لا يضمن نجاحاً اقتصادياً. فالموانئ العُمانية تنافس موانئ إقليمية ضخمة تمتلك شبكات صناعية ولوجستية متطورة، ولذلك تحتاج السلطنة إلى تقديم قيمة إضافية للمستثمر.

ومن أبرز هذه القيمة إمكانية ربط الصناعة بالتصدير إلى أسواق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وهي أسواق قريبة نسبياً من عُمان مقارنة بالمنافسين في مناطق أخرى.

توزيع المشروعات والبنية الأساسية والتدريب

لكن هناك تحدياً اجتماعياً لا يقل أهمية: كيف يصل أثر الصناعة إلى المواطنين خارج المدن والمناطق الاقتصادية الرئيسية؟

إذا تركزت الاستثمارات في عدد محدود من المناطق، فقد ترتفع المؤشرات الاقتصادية الوطنية بينما تبقى الفوارق التنموية قائمة بين المحافظات. ولهذا فإن توزيع المشروعات والبنية الأساسية والتدريب سيكون جزءاً مهماً من نجاح السياسة الصناعية.

ولا تتوافر في الإعلان الأخير أرقام تفصيلية كافية تسمح بالحكم على حجم الوظائف الجديدة أو نسبة المكون المحلي في الاستثمارات التي يجري الحديث عنها، ولذلك ينبغي تجنب تقديم التوسع الصناعي باعتباره نجاحاً مكتمل الأركان.

تحويل رأس المال إلى إنتاج مستدام

المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون قدرة عُمان على تحويل رأس المال إلى إنتاج مستدام، ثم إلى وظائف، ثم إلى شركات محلية قادرة على دخول سلاسل التوريد، وأخيراً إلى صادرات ذات قيمة مضافة.

بهذا المعنى، فإن التحول الصناعي العُماني يدخل مرحلة اختبار حقيقية: ليس السؤال كم استثمرت السلطنة، وإنما ماذا أنتجت هذه الاستثمارات، وكم وظيفة خلقت، وما الذي بقي من قيمتها داخل الاقتصاد العُماني؟

المصادر والتاريخ:

وكالة الأنباء العُمانية، «القطاع الصناعي في عُمان يشهد نمواً متسارعاً واستثمارات مرتفعة القيمة»، 26 أغسطس 2026.

وكالة الأنباء العُمانية، بيانات القطاع الاقتصادي والصناعي في السلطنة، أغسطس 2026.

اترك تعليقا