سلام عليك زمان الشباب.. !

محمد نعمان الدين الندوي يكتب

ما: « الشباب » ؟

لا تسألوا عن الشباب الشبابَ ! بل فاسألوا عن حقيقته الشيوخَ الذين قد ذاقوا لذته ومتعته، وعاشوا فترته النضرة الحيوية في مقتبل أعمارهم.. فالإنسان لا يقدر قيمة النعمة لدى تواجدها.. ولكن حينما يفقدها ويُحرَمُها يشعر بعظمة تلك النعمة وخطرها..

ومن هنا.. فإن الأبيات التي قالها الشيوخ في وصف الشباب أحلى وأروع من الأبيات التي قالها الشباب عن مرحلة الشباب.. لأن الحرمان يفجر القريحة ويثير العواطف والمشاعر، فيُفيض على الإنسان من روائع المعاني ولطائف الإيحاءات ما لا يَفيض عليه وهو يتمتع بالنعمة التي حرمها الآن..

وإن للشباب سكرة وطماحًا، وقراعًا وصولة، وذكريات حلوة مرة في وقت واحد.. حلوة مسعدة ماضيًا.. ومرة مؤلمة حاضرًا..

والإنسان لا يتمنى أن يدوم شيء في حياته، كتمنيه دوام الشباب، بما فيه من نضرة وحيوية، وقدرة على تذوق مباهج الحياة .

و الشيوخ يسترجعون ذكريات الشباب، ويتذكرون أيامه.. أيام القوة والمرح.. أيام الحيوية والنضارة.. والصولة والفتوة.. فيتأسفون ويتحسرون على أطايب أيام الشباب اللائي مضين سراعًا، ويتمنون لو يعود إليهم الشباب يومًا، فيشكون إليه ما جنت عليهم الشيخوخة، وكيف بدّلت سعادتهم شقاء، وقوتهم ضعفًا، وحيويتهم ذبولًا، وصولتهم عجزًا.. و.. و..، فيقول أحد الشيوخ ممثلًا لجماعته:

عريت من الشباب وكنت غصنًا

كما يعرى من الورد القضيب

ونحت على الشباب بدمع عيني

فما نفع البكاء و لا النحيب

فيا ليت الشباب يعود يومًا

فأخبره بما فعل المشيب

وقد صدق المتنبي:

آلة العيش صحة وشباب

فإذا ولّيا عن المرء ولًى

الشباب باكورة الحياة، وأطيب العيش أوائله، كما أن أطيب الثمار بواكيرها، وما بكت العرب على شيء كما بكت على الشباب، وما بكى الشعراء كما بكوا على المشيب .

آه.. لقد انقضى الشباب:

سلام عليك زمان الشباب.. ربيع الحياة بآذارها

لأنت مخفف أحزانها.. وأنت مسوغ أكدارها

ولو لا الشباب وذكرى الشباب.. لعاش الفتى كارها

انقضى الشباب بكل ما فيه من القوة والمتعة، والجدة والحيوية، ومباهج الحياة ولذاتها..

ذهب الشباب فما له من عودة

وأتى المشيب فأين منه المهرب

والحمد لله على أننا وُفِّقنا – بعض التوفيق – لاغتنامه.. ولا ندعي أننا استفدنا منه حق الاستفادة.. ولكن نشكر الله تعالى على أننا لم نقضه كله فيما لا ينبغي للإنسان أن يقضيه فيه.. بل حاولنا – قدر الإمكان – أن نغتنم تلك الفترة الذهبية من الحياة.. فلله الحمد والمنة على هذا التوفيق .

والحقيقة أن الله تعالى أكرمني في شبابي بالكثير من أنواع السعادة والعزة والرقي والتقدم، التي يعجز لساني عن الشكر لله سبحانه عليها، فقد سعدت – في شبابي – بدخول الكعبة المشرفة مرافقًا لكوكبة من علماء الأمة وجهابذتها، وفي طليعتهم الشيخ أبو الحسن الندوي والداعية الشهير الشيخ احمد ديدات والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم من رجالات الأمة .

وكذلك تكررت زياراتي لبلاد الحرمين الشريفين في زمن الشباب.

وهناك أشياء عديدة أخرى ( ليس هذا موضع تفصيلها ) سعدت بها واعتززت وأنا دون الخمسين من عمري.. وكل ذلك كان من فضل الله عليّ .

والواقع أنني إذا تذكرت شبابي السعيد المحظوظ.. كدت أبكي – ابتهاجًا واعتزازًا – بما أكرمني الله به في سالف الأيام من العزة والكرامة والشرف والسعادة . { وأما بنعمة ربك فحدث } .

وأحمد الله أنني الآن أقضي آخر محطة من حياتي في محضن تعليمي وتربيتي: ” ندوة العلماء ” – عاملًا في بعض أقسامها – التي يرجع إليها الفضل – بعد الله تعالى – في كل ما حظيت – وأحظى – به من السعادة والعزة، والتوفيق لخدمة اللغة العربية التي – هي في الحقيقة – هوايتي وهويتي، ومقصد حياتي، وعنوان شرفي وعزي، فلا أشرف ولا أجل من خدمة لغة كتاب رب العالمين، ورسوله الأمين .

فأي شيء أعظم وأشرف من شيء جعله الله أداة لفهم كتابه وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم .

وأي توفيق أكثر خيرًا وبركة من التوفيق للسعي في هذه السبيل.. سبيل بنت عدنان.. لغة القرآن.

وقبل أن أختم هذه الخواطر عن الشباب أنصح طلاب ندوة العلماء خاصة وغيرهم عامة باغتنام الفرصة الذهبية من العمر، فرصة الشباب، فإذا ذهبت، فلن تعود أبدًا:

وما ماضي الشباب بمُستَرَدّ

ولا يوم يمر بمستعاد

فلا يقصروا في اغتنام كل لحظة من لحظات الشباب، وليعطوا العلم حقه من الرغبة فيه، والعكوف عليه، بحيث يصير – العلم – همهم الوحيد وشغلهم الشاغل، الذي ينسيهم حتى نفوسَهم..، ولتكن – دائمًا – أمامهم أبيات الإمام الشافعي رحمه الله التي قالها وهو ينصح الشباب:

بقدر الكد تكتسب المعالي

ومن طلب العلا سهر الليالي

ومن طلب العلا في غير كد

أضاع العمر في طلب المحال

وليجعلوا – كذلك – نصبَ أعينِهم أبياتَ المتنبي التي قالها وهو يحث الشباب على طلب الأمجاد العالية والمنازل السامية، فيطلب منهم أن يرفعوا سقف طموحاتهم، ولا يرضوا بالدون:

إذا غامرت في شرف مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير

كطعم الموت في أمر عظيم

فالجد الجد.. والعمل العمل أيها الشباب !

{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون}

# محمد نعمان الدين الندوي

المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية