زلزال “مالي”.. سقوط الممر الجنوبي وانبعاث “أندلس أفريقيا”
تحت ركام النفوذ الأطلسي والأوراسي
- معاذ الجمال
- 4 مايو، 2026
- المشاريع العالمية, حوارات ومقالات
- اخبار مالي, اخر اخبار مالي, افريقيا, الامن في غرب افريقيا
بين مطارق القوى الكبرى وسندان الوعي الشعبي المنبعث من قلب الصحراء الكبرى، تتحول مالي اليوم إلى ‘نقطة ارتكاز’ استراتيجية قد تُعيد صياغة توازنات القوى في الممر الجنوبي للأمة.. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد تمرد عسكري أو تغيير في التحالفات بين باريس وموسكو، بل نحن أمام ‘زلزال جيوسياسي’ يضرب أسس المنظومة الدولية التي تشكلت ما بعد الحرب العالمية الثانية.
**في هذا الحوار الاستثنائي عبر ‘ستوديو التاسعة’، يضعنا الكاتب والباحث في الشؤون الاستراتيجية رضا أبو دراع، أمام خارطة طريق كاشفة، يربط فيها بين انكسار القطبية الأحادية في أفغانستان، وتحولات الممرات المائية في المشرق، وصولاً إلى “أندلس أفريقيا” التي تستيقظ لتستعيد ذاكرتها المبتورة، يفكك” رضا ” شيفرة الصراع على الذهب والسيادة، ويستشرف ملامح المواجهة القادمة بين “فكرة التحرر” وبين حدود الدولة القطرية التي رسمها الاستعمار.
السطور التالية تتجاوز الوصف الأكاديمي البارد ليدخل في عمق العقيدة العسكرية والجيوسياسية للمنطقة.
وإلى نص الحوار:-
* وصفت ما يجري في مالي بأنه “هزة زلزالية” تتجاوز الحدود المحلية.. كيف تقرأ المشهد ضمن السياق العالمي الحالي؟
**: ما نراه اليوم في مالي ليس حدثاً معزولاً، بل هو الحلقة الثالثة من سلسلة هزات تكتونية بدأت بانكسار الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2021، وهي الصدمة الجيوعسكرية التي ولدت عالماً من عدم اليقين وشجعت الإمبراطوريات القديمة على التمرد.
ثم جاءت هزة سوريا التي أسقطت مشاريع إقليمية طائفية عمرها قرون، والآن نعيش “هزة مالي” التي تضرب الممر الجنوبي الإسلامي.
نحن نعيش لحظة تفكك ثانية للمشروع الأوراسي (الروسي) وانحسار للمشروع الأطلسي الليبرالي.
في مالي، نحن لا نتحدث عن صراع نفوذ فرنسي-روسي فحسب، بل عن أمة تستيقظ لتكتشف أطرافها المبتورة منذ 150 عاماً.
مالي هي “أندلس أفريقيا” ومركزها الروحي والاقتصادي التاريخي، وما يحدث فيها حالياً من تحرر هو أخطر على المنظومة الدولية مما حدث في سوريا.
* تحدثت عن “الممرات الإستراتيجية” للأمة.. أين تقع مالي في هذه الخارطة؟ وكيف تم تقاسمها تاريخياً؟
** تاريخياً، قُسم العالم الإسلامي وفق ثلاثة ممرات: الممر الشمالي (طريق الحرير) الذي تقاسمته روسيا والصين، والممر البحري الذي ورثته أمريكا عن بريطانيا، والممر الجنوبي الأفريقي الذي كان من نصيب فرنسا.
اليوم، الممرات الثلاثة تهتز؛ أفغانستان هزت الممر الشمالي، والطوفان وسوريا هزا الممر البحري، ومالي وليبيا يهزان الممر الجنوبي. مالي كانت عاصمة المسلمين لـ 400 سنة عبر “كيدال”، وكانت مركزاً علمياً واقتصادياً عالمياً.
ما يجري هو استعادة أهل الأرض لممراتهم الإستراتيجية بعد قرنين من التغييب.
* يرى البعض أن ما يحدث هو مجرد استبدال نفوذ فرنسي بآخر روسي (عبر فاغنر).. ما ردكم على هذه القراءة؟
** هذه رؤية “أكاديمية” قاصرة تعتمد مصطلحات المحتل. العقل الذي صاغه الاستعمار يرى المنطقة “فراغاً” يجب أن يملأه غريب، بينما الحقيقة هي أن أهل الأرض بمختلف مشاربهم (الإسلامية والوطنية) وصلوا إلى وعي استثنائي.
لقد أدركوا أن “الفكرة الوطنية” و”القومية” لم تجمعهم، فاجتمعوا على “الشريعة” كإطار للعدل وحفظ الدماء. تحالف قبائل الأزواد مع القوى الإسلامية هو تحالف لتحرير الأرض والثروة. فرنسا خرجت مطرودة، وروسيا الآن غارقة في استنزاف أوكرانيا ولا تملك إلا “عصابات فاغنر” التي تنهب الذهب، لكن الوعي الشعبي في الساحل الأفريقي اليوم أعمق من وعي شعوب عربية كثيرة؛ لأنهم قرروا انتزاع سيادتهم بعيداً عن أجندات الوكالة.
* بمناسبة ذكر الذهب.. مالي تمتلك ثروات هائلة، هل هذا الصراع هو صراع على “المنجم” أم على “الهوية”؟
** كلاهما، لكن الممر (الموقع) أخطر من المنجم. مالي تمتلك احتياطات ذهب تكفيها لألف عام، وعصابات فاغنر تتقاضى ملايين الدولارات شهرياً من هذا الذهب. لكن الأهم هو “تحرير الذاكرة”. دخول الثوار إلى “كيدال” يوازي في قيمته الروحية استعادة القدس لدى أهل المنطقة، فهي عاصمة الخلافة التي دامت قروناً.
الإنسان هناك يقاتل بروح المحرر الذي استعاد عاصمته التاريخية، لا بروح المتمرد الذي تبحث له مراكز الدراسات الغربية عن توصيف.
* ماذا عن الموقف الجزائري؟ كيف ترى تحولات العقيدة العسكرية الجزائرية تجاه ما يجري على حدودها الجنوبية؟
** الجزائر أوقعت نفسها في فخ إستراتيجي عندما غيرت عقيدتها العسكرية. في السابق كانت “فرنسا” هي العدو التاريخي، ولو بقيت هذه العقيدة لكانت الجزائر اليوم هي قائدة قطار التحرر في أفريقيا. لكن العقيدة الحالية جعلت من “المغرب” عدواً كلاسيكياً ومن “الإرهاب” عدواً وجودياً.
النظام الجزائري لا يريد “إمارة إسلامية” على حدوده، لذا دعم الأزواد كـ “منطقة عازلة”. لكن الروس تجاوزوا الجزائر وعقدوا صفقات مباشرة مع الأنظمة العسكرية في مالي والنيجر، مما جعل الجزائر تشعر بالتطويق. الآن الجزائر تحاول “تعفين” وضع الروس في مالي لتعيدهم إلى طاولة الشراكة معها، بينما الثوار على الأرض يستفيدون من هذا التدافع الدولي لتعزيز مواقعهم.
* هل تقصد أن هذه “الموجة التحررية” في الساحل قد تمتد إلى دول الجوار مثل الجزائر والمغرب وحتى مصر؟
** نعم، وبشكل قطعي.. الفكرة الإسلامية التي تولدت في الساحل الأفريقي هي “الزلزال” الذي سيمتد أثره خلال السنوات القادمة. الشعوب التي تخرج من تحت الرماد في مالي، كما خرجت في أفغانستان وسوريا، تحمل وعياً جديداً يتجاوز الدولة القطرية التي صنعها الاستعمار.
ما يحدث في مالي هو “نفخ لنار التحرر” التي ستصل إلى قلب الشمال الأفريقي والمشرق. المنظومة الدولية التي نعرفها تتفكك، وأهل الأرض يستعدون لاستلام زمام ممراتهم الإستراتيجية. الوعي الذي نضج في الصحراء الكبرى هو اليوم أكبر من قدرة الأنظمة العلمانية أو القوى العسكرية التقليدية على احتوائه.
وفى خاتمة الحوار غير التقليدى هذا، لا أملك إلا أن اتوقع أن ما يحدث في مالي ليس مجرد صراع على منجم ذهب أو نفوذ عابر، بل هو إعلان صريح عن تصدع النظام الدولي القديم في القارة السمراء.. هي لحظة استعادة ‘الممر الجنوبي’ التي تبرهن أن إرادة الشعوب حين تلتف حول هويتها، تصبح أشد فتكاً من طائرات ‘الأطلسي’ وأكثر صموداً من مرتزقة ‘الأوراسي’. فهل نحن أمام فجر جديد يعيد رسم حدود الجغرافيا بروح التاريخ، أم أن ‘زلزال الصحراء’ لن يترك حجراً على حجر في عروش القوى التقليدية؟.. الأيام القادمة وحدها تملك الخبر اليقين.