تحرير كيدال أندلس أفريقيا

رضا بودراع يكتب

إن أرض الإسلام قاطبة تتهيأ لأهلها

لا يمكن اليوم قراءة الأحداث متفرقة، نحن أمام لحظة تاريخية تلتحم فيه الذاكرة بالتدافع، وتبدو الأرض مهيأة لأهلها بعدما احتُلوا و أقصوا لأكثر من قرنين من الزمن و هذه هي العقدة المركزية حيث يعتبر تحرير مدينة كيدال التاريخية رمز الخلافة الافريقية المفقودة .
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى “مالي ” بوصفها كيانًا قطريًا ضيقًا، ولكن باعتبارها جزءًا من مجال أوسع آخذ في التشكل
عمقه يبدأ من معركة فيلاديلفيا التي كانت في ليبيا الى معركة تحرير كيدال في شمال مالي ؛
إنه مجال الساحل الإسلامي في افريقيا، حيث تتداخل الجغرافيا بالتاريخ، وتنهض الذاكرة الحضارية من تحت ركام التفكيك الطويل والاستخراب الشنيع و الإفقار الممنهج ،منذ بداية الاستعمار الى مرحلة الاستبداد العسكري النائب عن الاحتلال.
هذا التهيؤ، تهيؤ الارض لأهلها من جديد لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لمقاومة أهل الارض للاحتلال و رفض ذوبانهم في أقطار محتلة
و نتيجة أيضا لانكشاف بنية النظام الدولي، الذي دخل مرحلة تفكك وانشغال ذاتي، خاصة مع تتابع الأزمات الكبرى، من عجزه عن حسم الصراع في الحرب الروسية الأوكرانية، إلى ارتباكه في إدارة التصعيد حول إيران، وصولًا إلى العجز القُطري عن احتواء ما يجري في مالي ضمن فضاء الساحل و فضاءات اخرى .
هذا الفشل المتتالي دوليًا، ثم إقليميًا، ثم قطريًا ، ليس مجرد تعثر مرحلي، بل هو انهيار هيكلي لمنظومة هيمنة بكاملها.

ومع هذا الانهيار، غاب “الظهير الدولي والإقليمي” الذي كانت تستند إليه النظم القطرية المستبدة ، فدخل الجميع في حالة شلل المنظومة و ذهول أمام عودة نشطة لحركية أهل الأرض ،
ودخلت الشعوب مرة اخرى كعامل أصيل و حاسم في معادلات القوة .
هنا يتقدم البعد الحضاري ليعيد تعريف المشهد كله و تعريف العدو والصديق أيضا؛ إن فتح كدال التاريخية ليس مجرد نصر عسكري، بل استرداد لماض مجيد تم أسره ، و امتداد لذاكرة عمرها أكثر من ألف عام، حين كانت مركزًا من مراكز الحضارة الإسلامية، ما يعيد إحياء فكرة الخلافة لا بوصفها حنينًا ، بل بوصفها طاقة كامنة في الجغرافيا والتاريخ لاقامة دين الله وسيادة شرعه.
إن استعادة اهل الارض لأرضهم هو تصحيح للجغرافيا والتاريخ وفي هذا المجال، يجدون أنفسهم أمام اخطر معطى جيوسياسي و اقتصادي فقدوه منذ قرنين ، وهو استعادة الممر الاستراتيجي الجنوبي للأمة الممتد من برقة في ليبيا الى شواطئ السينغال و غينيا على المحيط الأطلسي، و هو الممر الرابط بين عمقها الإفريقي ومقدساتها في الشام و جزيرة العرب.

إن فتح كيدال لا يقل في دلالته الحضارية عن تحرير مركز روحي كبير(مثل القدس)، لأنه يعيد وصل ما قُطع، ويستأنف ما عُطّل فكما أن القدس عاصمة المسلمين الروحية فكذلك كانت كيدال عاصمة الخلافة الافريقية .
وفي موازاة ذلك، تتكشف أزمة أخرى أكثر خطورة، تنخر بنية الجيوش القطرية وهي تأزم عقائدها العسكرية و انهيار مفهوم الامن القومي لجيوشها .
فبعد أن فقدت هذه الجيوش ظهيرها الخارجي، لجأت إلى التحالف مع الميليشيات و المرتزقة والشركات الأمنية ، كما يحدث في الساحل، وهو ما أدى إلى تفكك عقيدتها وتحولها من أدوات سيادة إلى أدوات تسلطية وعصابات مارقة ، جعلها في نظر أهل الأرض أشبه بمنظومات مرتزقة ،
هذا التحول لا يعكس ضعفًا عسكريًا فحسب، بل يكشف انهيار النموذج الذي وُلد من رحم المنظومة الدولية المتهالكة نفسها.

وهنا تلتقي كل السنن ،
أرض مهيأة لأهلها، منظومة دولية و إقليمية متفككة، جيوش مأزومة، ونخب عاجزة… ليبقى السؤال مفتوحًا ومصيريًا
مالذي فرق جمع المنظومة المهيمنة!؟
و ما الذي جمع شتات شعوب المنطقة وأحياها بعد.موات!؟
الجواب اليوم أصبح في غاية الوضوح.

■ إن الذي فرق المنظومة هي فكرتها الاستعمارية التي قامت عليها ، وقد استنفذت أغراضها .
■ و الذي جمع شتات الأمة هي الفكرة الاسلامية التي تعتبر مخزون قوتها و محرك حضارتها .
■ وبقدر ما نضجت الفكرة الاسلامية التحررية بقدر ما كانت قادرة على تشكيل المجال الاسلامي على أساسه الحضاري.