زعيم كوريا الشمالية يطلق رصاصة مزدوجة تقتل حلم الوحدة مع الجنوبية
دستور جديد لبلاده أسقط عبارة "تسعى جمهورية كوريا إلى التوحيد"
- Ali Ahmed
- 6 مايو، 2026
- اخبار العالم, تقارير
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, كوريا
الرائد- خطت بيونغ يانغ، اليوم الأربعاء، خطوة بعيدة في مشهد الصراع مع سيول بتعديل دستورها الذي يرسم ملامح جديدة للصراع، ويكرس عسكرة الدولة بوصفها دولة نووية بنص الدستور.
وبشطبه الإشارات المرتبطة بالوحدة مع كوريا الجنوبية من دستور بلاده الجديد، أطلق الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون رصاصة مزدوجة تقتل حلم الوحدة مع الجارة الجنوبية، الذي يُعَد واحدا من معالم إرث أبيه وجده الراحلين، ويرسخ واقع تقسيم دائم.
ومن الناحية الفنية، لا تزال الكوريتان الشمالية والجنوبية في حالة حرب، لأن حرب الـ3 سنوات التي دارت بينهما بين عامي 1950 و1953، وقُتل فيها أكثر من 2.5 مليون شخص، انتهت بهدنة لا بمعاهدة سلام. وحتى هذه الهدنة غير مستقرة، وهناك فقط منطقة منزوعة السلاح عازلة بين الشمال الشيوعي والجنوب الرأسمالي.
رغم ذلك فإن دستور كوريا الشمالية كان يتحدث عن “أمة واحدة” بهدف إعادة التوحيد، حتى لو كان ذلك بشروطها. فتنص المادة الرابعة من دستورها على أن “تسعى جمهورية كوريا إلى التوحيد، وتضع وتنفذ سياسة توحيد سلمي قائمة على النظام الحر والديمقراطي الأساسي”.
وبإسقاطها اليوم هذه المادة من دستورها الجديد، تؤكد بيونغ يانغ في أعلى وثيقة قانونية لديها أن الوحدة مع سول لم تعد هدفا سياسيا، بل هناك “دولتان مستقلتان وعدوتان”، مما يؤكد سعي كوريا الشمالية لاعتماد سياسة أكثر عدائية تجاه جارتها الجنوبية.
وما رشح عن الدستور الجديد الذي أُعلن أخيرا، يؤكد تخلي بيونغ يانغ لأول مرة عن هدف “إعادة التوحيد” مع كوريا الجنوبية، ووضعها تعريفا جديدا للأراضي وتعريف نفسها بوضوح دولة تمتلك سلاحا نوويا.
وباستخدام الاسم الرسمي لكوريا الجنوبية، ينص الدستور الجديد على أن هذه الحدود تشمل المنطقة المتاخمة للصين وروسيا شمالا، وجمهورية كوريا جنوبا. وأضافت الوثيقة أن كوريا الشمالية “لا تسمح مطلقا بأي انتهاك لأراضيها”.
هذا التعديل الدستوري يُعَد خطوة نحو “شرعنة” التقسيم واقعا نهائيا لا مرحلة مؤقتة، ويمهد لمشهد طويل الأمد وحدود شديدة التوتر بين دولتين تتباريان في سباق تسلح، وتتعايشان في قلق تحت المظلة النووية.
اللافت أن هذا التعديل يأتي في فترة رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ المعروف بمواقفه السلمية، والذي دعا أكثر من مرة إلى إجراء محادثات مع الشمال من دون أي شروط سابقة، مؤكدا أن البلدين مُقدَّر لهما “إحلال السلام”. لكن بيونغ يانغ لم تستجب لمبادرات إدارة لي، وكررت وصفها للجنوب بأنه “عدوها اللدود”.
مواقف الرئيس الحالي تتناقض مع مواقف سلفه يون سوك يول، الذي اتخذت كوريا الجنوبية في عهده موقفا أكثر تشددا تجاه الشمال، وتقاربت عسكريا مع الولايات المتحدة واليابان وأجرت مناورات مشتركة، وأعلنت عن منظومات دفاع وتعاون ثلاثي أقوى.
لكن خطوة بيونغ يانغ لم تأتِ في عهد سوك بل جاءت في عهد ميونغ الداعي إلى الحوار، ومن شأنها إغلاق باب الحوار التقليدي، وإقرار بأن الصراع طويل الأمد، ومن ثَم ترسيخ هذا الانفصال. فإسقاط كوريا الشمالية هدف التوحيد من دستورها يعني أنها لم تعد ترى الجنوب شريكا مستقبليا بل عدوا خارجيا منفصلا.
التوقيت
لم يعد الدستور الجديد يتحدث عن الدفاع أو الردع فقط، بل يصف كوريا الشمالية بأنها دولة نووية مسؤولة، وهذا يعني أنه لا نية للتخلي عن السلاح النووي في أي صفقة مقبلة، وأن أي مفاوضات مستقبلية ستكون بشأن إدارة النووي وليس تفكيكه، وهذه نقلة رمزية وسياسية كبيرة، فالدستور هو أعلى تعبير عن هوية الدولة.
يأتي ذلك في حين تبدو الولايات المتحدة غارقة في ملفات أخرى مثل الحرب على إيران على خلفية برنامجها النووي، وهو توقيت تراه بيونغ يانغ مناسبا لتكريس نفسها دستوريا “دولة نووية مسؤولة” كما تصف نفسها، مؤملة أن يقر العالم بذلك ويتعامل معها على هذا الأساس أمرا واقعا.
يضاف إلى ذلك أن التعديل جاء قبل أيام من الزيارة المقررة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبكين، في وقت يتصاعد فيه التنافس الأمريكي الصيني الذي يجعل شبه الجزيرة الكورية ساحة رئيسية.
كما أن تقارب الصين وروسيا أكثر من كوريا الشمالية يعطي بيونغ يانغ هامشا أكبر للمناورة السياسية دون أن تتعرض لعقوبات دولية كما في السابق.
رسائل
ويُعَد الدستور الجديد وسيلة لتثبيت رؤية كيم جونغ أون لمستقبل بلاده بوصفها دولة نووية ذات عداء مع الجنوب، واستقلال تام عن أي مشروع توحيد. هذا يعطيه مبررا دائما للاستمرار في عسكرة الدولة، وتعبئة الشعب ضد الخطر الجنوبي -الأمريكي.
كما يتضمن رسالة إلى واشنطن وسول بأنه لا عودة إلى مرحلة السلام الدافئ أو سياسات الانفراج السابقة، وأن القمم بين الكوريتين أو حتى قمة ترمب كيم أصبحت من الماضي، فقواعد اللعبة تغيرت، كما أن قواعد التفاوض -إن حدث لاحقا- ستكون مختلفة وبشروط بيونغ يانغ.
ليس غريبا والحال كذلك أن تشهد شبه الجزيرة الكورية تصعيدا لما يمكن تسميتها “الحرب الباردة الساخنة”، وما يصاحبها من مناورات عسكرية ثنائية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، أو ثلاثية أكبر تضم إليهما اليابان، يقابلها تجارب صاروخية وتهديدات من كوريا الشمالية.
ومع زيادة المناورات وإطلاق النار في البحر والجو، واحتمال سوء تقدير من أحد الطرفين، يبقى احتمال وقوع اشتباكات محدودة قائما في صورة قصف متبادل وإسقاط طائرة واستهداف زوارق، لكنَّ الطرفين يدركان أن حربا شاملة ستكون كارثية، لذا سيحاولان إبقاء التصعيد تحت سقف معيَّن.
كما أن الصين لا تريد حربا على حدودها، والولايات المتحدة لا تريد صداما نوويا في لحظة تعدد أزماتها، لذلك سيبقى هناك هامش من الضغوط والإشارات الخلفية لمنع الانفجار، حتى لو ظلت العلاقات علنا في أسوأ حالاتها.
*المصدر: الرائد+ الجزيرة