روسيا تواجه معادلة اقتصادية أكثر صعوبة
اقتصاد الحرب يفرض تكلفة متزايدة على القطاعات الأخرى
- Ali Ahmed
- 4 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
دخل الاقتصاد الروسي مرحلة أكثر حساسية مع اتساع الفجوة بين الإنفاق المرتفع المرتبط بالحرب وبين قدرة الاقتصاد المدني على الحفاظ على وتيرة النمو.
وحذر مبعوث للرئيس فلاديمير بوتين من أن الاقتصاد قد يخرج عن التوازن إذا جرى توجيه موارده بصورة مفرطة نحو احتياجات المجمع الصناعي العسكري، في أحدث إشارة من داخل دوائر السلطة إلى أن اقتصاد الحرب بدأ يفرض تكلفة متزايدة على القطاعات الأخرى.
الحرب الطويلة ترفع الإنفاق
وتزامن هذا التحذير مع اعتراف بوتين، خلال المنتدى الاقتصادي في فلاديفوستوك في 3 سبتمبر، بأن عجز الموازنة الروسية ارتفع بنحو 40 بالمئة خلال الفترة من يناير إلى يوليو، ليصل إلى 2.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال بوتين إن العجز يمكن إدارته وإنه لا يمثل تهديدا حرجا للاقتصاد، مستندا إلى انخفاض مستوى الدين العام الروسي مقارنة باقتصادات كبرى أخرى.
لكن الأرقام تكشف أن المشكلة ليست في حجم الدين وحده. فالحرب الطويلة ترفع الإنفاق العسكري، بينما تفرض العقوبات الغربية قيودا على التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، في الوقت الذي أصبحت فيه عائدات الطاقة أكثر حساسية للأسعار والخصومات وتكاليف النقل.
وتزداد الضغوط على قطاع الطاقة الروسي أيضا.
فقد أعلن نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك في 3 سبتمبر أن إنتاج روسيا النفطي سينخفض قليلا خلال عام 2026، مرجعا التراجع بصورة أساسية إلى عوامل مؤقتة بينها أعمال الصيانة في المصافي.
لكن مسودة توقعات حكومية اطلعت عليها وكالة (رويترز) تتضمن خفض تقديرات إنتاج النفط الروسي للفترة من 2026 إلى 2029 بما يتراوح بين 16 و20 مليون طن، وهي تعديلات مرتبطة بالحرب والقيود المفروضة على الاقتصاد.
وتكمن أهمية النفط في أن عائداته لا تمول قطاع الطاقة فقط، وإنما تشكل عنصرا أساسيا في قدرة الدولة على تمويل الموازنة والإنفاق العسكري والبرامج الاجتماعية. لذلك فإن أي انخفاض مستمر في الإنتاج أو تراجع في قدرة موسكو على بيع الخام بالأسعار التي تحتاجها الموازنة سيزيد صعوبة إدارة المالية العامة.
وفي المقابل، يوفر ارتفاع أسعار النفط العالمي متنفسا مؤقتا لروسيا. فقد ارتفع برنت إلى أكثر من 95 دولارا للبرميل في 4 سبتمبر، وسط اضطرابات كبيرة في سوق الطاقة العالمية. لكن الاستفادة الروسية من الأسعار المرتفعة ليست كاملة، لأن العقوبات والخصومات وتكاليف النقل والتأمين تؤثر في صافي الإيرادات التي تصل إلى المنتجين والحكومة.
وتبرز مشكلة أخرى في السياسة النقدية.
فقد أبقى البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الأساسي عند 14 بالمئة، في وقت تطالب فيه قطاعات الأعمال بخفضه إلى أقل من 12 بالمئة لتحفيز الائتمان والاستثمار. وفي المقابل، لا يستطيع البنك المركزي التحرك بسرعة كبيرة خشية أن يؤدي خفض الفائدة إلى زيادة التضخم والضغط على العملة.
وهنا يظهر التناقض الذي أصبح يميز الاقتصاد الروسي. فالصناعة العسكرية تستفيد من الإنفاق الحكومي الضخم، وبعض المصانع تعمل بطاقة مرتفعة، لكن هذا النشاط لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد المدني في الوضع نفسه. عندما تنتقل العمالة ورأس المال والائتمان والمواد الخام نحو الصناعات المرتبطة بالدفاع، ترتفع تكلفة الموارد بالنسبة إلى القطاعات التي تنتج السلع والخدمات المدنية.
والتحذير الصادر عن مبعوث بوتين مهم تحديدا لأنه جاء من داخل المنظومة السياسية والاقتصادية الروسية، وليس من مؤسسة غربية تنتقد موسكو. فهو يعكس إدراكا متزايدا بأن النمو المدفوع بالإنفاق العسكري يمكن أن يستمر لفترة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الاستثمار الخاص والإنتاج المدني إلى ما لا نهاية.
وفي الجانب السياسي، ظهرت في الأيام الأخيرة إشارة مختلفة قد يكون لها أثر اقتصادي مهم. فقد قال وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف في 2 سبتمبر إن روسيا والولايات المتحدة لديهما مجالات محتملة للتعاون الاقتصادي، وإن استمرار الحوار يمكن أن يساعد في خلق أرضية مشتركة في الملفات الاقتصادية والسياسية.
لكن واشنطن أوضحت في المقابل أن أي تخفيف اقتصادي كبير عن روسيا مرتبط بإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفقا لما نقله رويترز عن لقاء وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت مع سيلوانوف في 31 أغسطس.
وهذا يجعل الاقتصاد الروسي مرتبطا بصورة مباشرة بالمسار السياسي. فإذا حدث انفراج حقيقي في العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، فقد تحصل موسكو تدريجيا على فرص أوسع للتجارة والاستثمار والوصول إلى التكنولوجيا والأسواق. أما استمرار الحرب والعقوبات، فيعني بقاء الاقتصاد في نموذج تعبئة طويلة الأمد، مع ارتفاع كلفة الحفاظ على النمو.
والسيناريو الأقرب في المدى القصير ليس انهيار الاقتصاد الروسي، كما أن تصريحات بوتين تعكس امتلاك الدولة أدوات مالية ونقدية لإدارة الضغوط.
لكن الخطر الأكثر واقعية هو تآكل النمو المدني تدريجيا، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وتراجع الاستثمارات المنتجة، واستمرار اعتماد الموازنة على الطاقة والإنفاق الحكومي.
لذلك فإن السؤال الاقتصادي الروسي لم يعد ما إذا كان الاقتصاد يستطيع تحمل سنة أخرى من الضغوط، وإنما ما إذا كان يستطيع الحفاظ على قدرته الإنتاجية المدنية بعد سنوات من توجيه الموارد نحو الحرب. وهذه هي المشكلة التي ستحدد قدرة موسكو على الحفاظ على نموذجها الاقتصادي الحالي خلال السنوات المقبلة.
*المصادر:
-رويترز، 1 سبتمبر 2026، بشأن تحذير مبعوث بوتين من اختلال الاقتصاد بسبب التركيز على المجمع الصناعي العسكري.
-رويترز، 3 سبتمبر 2026، بشأن عجز الموازنة وتصريحات بوتين.
-رويترز، 3 سبتمبر 2026، بشأن إنتاج النفط الروسي.
-رويترز، 2 سبتمبر 2026، بشأن فرص العلاقات الاقتصادية الروسية الأميركية.
-رويترز، 31 أغسطس 2026، بشأن موقف واشنطن من تخفيف الضغوط الاقتصادية على روسيا.