ديون أمريكا وقود حروب الشرق الأوسط

السيد التيجاني يكتب

أقف أمام لوحةٍ سوداء تغطي بها الأخبار وأحاديث الساسة، وأحاول أن أفكّ طلاسمها بعين من يسعى لأن يفهم أكثر مما يروّج له الإعلام الرسمي. أكتب إليكم اليوم بصيغة المتكلم، لا كخبيرٍ مدّعيٍ لكل الحقائق، بل كمراقبٍ واعٍ يشعر بأن ما يجري ليس مجرد صراعات عابرة، بل فصلٌ مهمّ في إعادة تشكيل العالم  وللأسف، على حساب دماء وشقاء شعوبٍ بأكملها.

أولاً — أختصر رقميًا تهديدًا أعتبره شخصيًا أخطر من قنبلة نووية تقضي على مدن: ديون الولايات المتحدة. حتى منتصف 2024 كانت ديون الولايات المتحدة التقريبية تُقدَّر بأكثر من 34 تريليون دولار

هذا رقمٌ هائل لا يعكس فقط عجزًا ماليًا داخليًا بل يرمز إلى نظامٍ عالمي مبني على هيمنةٍ مالية وطباعة نقدية تُصدَّر آثارها إلى الدول الأخرى. لا أزعم أن هذا الرقم هو كل القصة؛ لكنه إشارةٌ واضحة إلى هشاشة العصب الاقتصادي الذي يدير به البيت الأبيض سياساته العالمية.

 

حين أنظر إلى هذا المشهد المالي أشعر أن الولايات المتحدة تواجه حتمية: الحاجة إلى موارد، الحاجة إلى أسواق، والحاجة إلى أدوات لتحويل عبء الدين إلى ربح جيوسياسي. وسيلة هذه الإدارة لم تكن في فترات كثيرة؛ إلا صناعة الحروب، التلاعب بالاقتصادات الأخرى عبر عقوبات مالية، واحتكار مسارات الطاقة والموارد. وهذا يقودني مباشرة إلى ما يحدث على أرض الواقع في منطقتنا: غزة، السودان، وأماكن أخرى باتت مختبراً لسيناريوهاتٍ تُنفذ بتدرجٍ منهجي.

غزة — هذه الجرح الذي لا يبرأ في ذاكرة الأمة — ليست حالة نزاعٍ عادية. حين أتأمل المشاهد والأرقام والتصريحات، أرى خطةً متكاملة الأركان: تدمير البنية التحتية، تحجيم السكان، تشتيت المجتمع، وإعادة هندسة تركيبة القرار السياسي والاجتماعي. قد يصف البعض هذا الكلام بأنه اتهامٌ مبالغ فيه، لكن لا يمكن تجاهل آثار الحصار

المستمر، الحروب المتكررة، والتجويع الذي بات وسيلة ضغط ليست فقط عسكرية بل اقتصادية وإنسانية. الهدف الظاهر قد يُقال إنه “أمن” أو “ردع” — لكن الهدف الخفي، في منظورٍ تحليلي، يتقاطع مع ما تحتاجه قوىٌ كبرى: إعادة رسم خرائط النفوذ، إخضاع السكان لواقعٍ لا يترك لهم فرص النهوض الاقتصادي أو السياسي، وتحويل منطقة استراتيجية إلى مساحةٍ تحت السيطرة المباشرة أو بالوكالة.

أقولها بلا مواربة: كلما ضُربت غزة وجُرّ أهلها إلى حلقةٍ من العنف والحصار، تتلاشى فرص أي مشروع وطني أو إقليمي قادر على استغلال موارد أو ممرات استراتيجية. هذه ليست مجرد مصادفة. هي جزء من منطقٍ يرى في استمرار الضعف والفرقة أداة لتحقيق مصالح خارجية — سواء كانت سياسية، أمنية، أو اقتصادية.

ومرةً أخرى، ليست كل الإجابات واضحة أو مموّهة بنفس الدرجة، لكن لا يمكن فصل هذا الواقع عن شبكة المصالح التي تربط الحروب المحلية بسياساتٍ دولية أوسع.

السودان — حالةٌ أخرى تحمل نفس التواتر لكن بصيغ مختلفة. نزاعٌ داخلي تحول بسرعة إلى ساحة صراعٍ إقليمي ودولي. منابع المعادن النادرة، الذهب، ممرات النقل، وموقع السودان الجيوبوليتيكي على البحر الأحمر — كلّها عوامل تجعل من هذا البلد هدفًا للمناورات. لا أتجاوز هنا عندما أذكر أن تحريكة الصراعات الداخلية أو دعم فريق على حساب آخر يمكن أن تُخدم به مصالح أطراف خارجية تسعى للسيطرة على ثروات أو إضعاف خصم استراتيجي. في السودان اليوم نرى ثمن اللعب بمقدرات الأمة: تشتت الدولة، نزوحٌ جماعي، انهيار مؤسسات، وفرصٌ للسماسرة الإقليميين والدوليين لابتلاع ما تبقى من مقدرات.

أؤمن أن كلمة “إبادة جماعية” يجب ألا تُستعمل بخفة. هي وصف قضائي وإنساني له دلالات قوية. لكن حين نرى سياسات متعمدة تُعرّض مدنًا بأكملها للجوع، تُستهدف فيها البنية التحتية الحيوية (مياه، كهرباء، مستشفيات)، وتُنتهك حقوق ملايين المدنيين دون ردة فعل حقيقية من المجتمع الدولي،

فلا يمكننا إلا أن نقرأ في هذا الأمر مؤشرًا على أن هناك هدفًا رئيسيًا يتجاوز انتقامًا قصير المدى. الهدف الخفي — وفق قراءةٍ تحليلية — قد يكون مُركبًا من عوامل: تفريغ مناطقٍ استراتيجية من سكانها المعارضين، تغيير التوازن الديموغرافي لصالح جهاتٍ موالية لمشروعٍ أوسع، تأمين طرقٍ ومواردٍ حيوية، وكبح أي صعودٍ سياسي أو اقتصادي يمكن أن يشكل تهديدًا لمصالح الأطراف الكبرى.

هذه الحجج ليست مؤامراتٍ مختلقة بقدر ما هي قراءة لنتائج سياساتٍ متكررة: عندما تُطبّق نفس الأدوات (حصار اقتصادي، تحريض طائفي، ضرب بنى مدنية، عقوبات مالية) عبر ساحات مختلفة، يصبح من المنطقي التساؤل عن الهدف العام الذي توظف هذه الأدوات لأجله.

والأخطر من ذلك أن هذا الهدف غالبًا ما يُحرَّك خلف ستارٍ قانوني وسياسي: “حماية الأمن القومي”، “مكافحة الإرهاب”، “نشر الديمقراطية”. وهذه الشعارات — وإن كانت قد تحتوي على بذورٍ من الحقيقة في بعض الحالات — تُستخدم لتبرير سياساتٍ تُكلف شعوباً بأكملها حياتها ومستقبلها.

أستعيد هنا ربطًا ضروريًا بين أزمة الديون الأمريكية والنهج السياسي في الشرق الأوسط وأفريقيا. عندما يكون لديك بلدٌ يعاني من دينٍ يقترب من حدودٍ تهدد استقراره المالي (تذكّر الرقم: ~34 تريليون)، فإنك تواجه خيارين رئيسيين: تقليص المصروفات الداخلية بشكل قاسي .

هذا قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية)، أو محاولة تحويل الأزمة عبر أدوات خارجية — تصدير الانكماش عبر سياساتٍ تبقي النفوذ وتؤمن دخلًا عبر عقود أسلحة، سيطرة على موارد، أو إتاحة فرص اقتصادية لشركاء محددين. بعبارة أخف وهماً: البعض يختار أن يدير الأزمة عبر “بوقعة” النفوذ الخارجي بدل مواجهة الإصلاح البنيوي داخل الحدود.

هل هذا يعني أن كل ما يحدث مُخطط له من أعلى إلى أسفل؟ ليس بالضرورة. هناك دومًا عناصر فوضى، قرارات خاطئة، مصالح متضاربة داخل الدول نفسها.

لكن لا ينبغي لنا أيضًا أن نغفل عن أن سياسات السيطرة والهيمنة تميل إلى أن تتكرر لأن لها منصّات وموازنات اقتصادية وسياسية تدعمها. كل حرب تخلق أرباحًا لقطاعات كثيرة: الشركات العسكرية، سماسرة الموارد، شركات إعادة الإعمار بصفقات مشبوهة. هذه دورة أرباح تُحفّز تكرار النزاعات أو على الأقل الإبقاء على حالات طوارئ طويلة.

كعربي، أجد نفسي أتساءل: ماذا لو بدلًا من أن نكون ساحةً لصراعٍ بين قوى، استطعنا أن نحوّل ثرواتنا إلى قوةٍ دافعة للسيادة؟ ماذا لو استثمرت دولنا في بناء مؤسسات قوية، حكم رشيد، تعليم وبنية تحتية تحرر المواطن من الاتكال؟ الجواب ليس سهلاً، لأننا نواجه شبكات مصالح داخلية وخارجية. لكنني مقتنع بأن الوعي الشعبي والضغط المدني والمطالبة بمساءلة حكومية يمكن أن يكونا مفتاحين لتغيير المسار.

لن أنسى أن أقول شيئًا أخيرًا: الخطر الحقيقي ليس فقط في قنبلةٍ نووية أو في دفعةٍ من القذائف، بل في ذلك الانهيار البطيء الذي يقتل الأمم بالسياسات الاقتصادية والسياسية الممنهجة. أزمة الديون الأمريكية، إن صحت قراءة أرقامها

كما ذكرت، تشكل تهديدًا عالميًا لأنها تؤثر في سوق الطاقة، في قيمة العملات، وفي قدرة الدول على الاستجابة للأزمات. ومع ذلك، الفرصة تكمن في أن الانهيار ليس بالضرورة نهاية؛ يمكن أن يكون بداية لإعادة ترتيب عالمي أكثر عدلاً إن توفرت الإرادة والخطة.

أنا لا أقدّم هنا وصفة جاهزة، لكنني أحث على أن نفهم المشهد ككل: المال، الحرب، والسياسة مترابطة. وأن نضع مصالح شعوبنا فوق مصالح من يريدون تحويل كنوزنا إلى أدوات تحقق أزماتهم.

وإذا كان هناك درس واحد يمكنني أن أقدمه من قراءتي لهذه الحقائق: فهو أن النهوض الوطني الحقيقي يبدأ بقرارٍ جريء—قرارٌ يقضي بأن ثرواتنا وكرامة شعوبنا ليست للبيع.