خيارات القصف والغزو البري بين امريكا وردود ايران

هاني الكنيسي يكتب

أميركا لن تكسب الحرب من الجو .. فما خيارات الغزو البري؟ وماذا لدى إيران من أوراق؟
الغارات الجوية يومية والقصف الصاروخي متواصل لمواقع عسكرية ومدنية في أنحاء إيران، والقيادة المركزية الأمريكية ‘سنتكوم’ مصرة أن الهدف هو كبح قدرة طهران على التحكم في مضيق هرمز الذي يمر عبره 20٪ من تجارة النفط العالمية، بينما عادت صافرات الإنذار تدوي يوميًا في البحرين والكويت والأردن التي يقول الحرس الثوري إنه يستهدف القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، ثم يخرج بيان مقر ‘خاتم الأنبياء’ مهددًا بقصف “البنى التحتية” في الشرق الأوسط كله إذا تواصل العدوان الأمريكي.
ووسط كل ذلك، يتجدد النقاش في أروقة صنع القرار بواشنطن حول “حدود القوة الجوية”، وتتواتر التسريبات الإعلامية والتلميحات الترمبية بشأن خيار الانتقال إلى عمليات “برية” (خاطفة ومحدودة في بعض الروايات، أو طويلة المدى وعميقة في روايات أخرى) للسيطرة على المواقع الاستراتيجية والنووية داخل إيران وتهديد النظام بشكل مباشر. فما مدى جدية هذا التفكير؟
في مقابلة حصرية مع صحيفة ‘فايننشال تايمز’ FT البريطانية، حذر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ‘مارك إسبر’ Mark Esper من أن الولايات المتحدة لن تتمكن من حسم الحرب ضد إيران عبر القصف الجوي وحده، “حتى لو قرر الرئيس ترمب رفع وتيرة الضربات إلى مستويات غير مسبوقة، واستخدام ذخائر لم تُجرّب من قبل”. فالضربات الجوية -في رأيه- تستطيع إضعاف القدرات العسكرية وإلحاق الضرر بالبنية التحتية، لكنها “لا تحقق الهدف السياسي النهائي للحرب المتمثل في إخضاع القيادة الإيرانية”، بعدما فشل مشروع إسقاط النظام.
أهمية هذا الكلام أنه صادر عن المسؤول العسكري الأمريكي الذي أدار البنتاغون بين عامي 2019 و2020 خلال ولاية ترمب الأولى، وعاصر ذروة التصعيد مع إيران لدى اغتيال أهم رموزها العسكريين – قاسم سليماني قائد ‘فيلق القدس’).
وقد استند ‘إسبر’ في قناعته هذه إلى مجموعة من الحقائق التاريخية والاستراتيجية. إذ تثبت دروس التاريخ الحديث المستقاة من التجارب الأمريكية الممتدة من فيتنام وصولاً إلى العراق وأفغانستان أن القوة الجوية، مهما بلغت دقتها وكثافتها، تظل -بدون سيطرة ميدانية- عاجزة عن حسم الصراعات.
ومن زاوية استراتيجية، يؤكد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق أن محاولة إخضاع طهران من الجو فقط “وهم كبير”، وأن التمادي في الاعتماد على الصواريخ والسلاح الجوي سيجر واشنطن إلى “حرب استنزاف إقليمية طويلة ومكلفة وغير محمودة العواقب”.
والحقيقة أن رؤية ‘إسبر’ تتقاطع بشكل وثيق مع تقييمات مراكز أبحاث مرموقة مثل مؤسسة ‘راند’ RAND ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، والتي أكدت في دراسات متعددة أن الضربات الجوية ربما أبطأت البرامج العسكرية والنووية الإيرانية، لكنها لا تمنع طهران من إعادة بناء قدراتها العسكرية وتوظيف شبكاتها الإقليمية للرد بطرق مؤلمة.
وهنا، تعود سيناريوهات “الغزو البري” -على اختلاف نطاقاتها وطموحاتها- إلى الواجهة. فوفقاً لما نقلته صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ عن مسؤولين أمريكيين، فإن ترمب يدرس فعليًا خططاً عُرضت عليه -خلال “قمة الدفاع والابتكار” في بنسلفانيا- لتنفيذ “عمليات نوعية على الأرض” للاستيلاء على مواقع إيرانية بالغة الأهمية الاستراتيجية على طول مضيق هرمز. وتشمل هذه الخطط:
– إنزال برمائي في جزيرة ‘خارك’ (تُنطق “خرج” بالجيم القاهرية) التي تمثل الشريان التاجي لتصدير النفط الإيراني، بهدف قطع الموارد المالية بالكامل عن النظام.
– اقتحام مجمع “جبل الفأس” النووي بريًا (وهو الأكثر تحصينًا من ‘فوردو’ بسبب طبيعته الصخرية، والذي تعتقد الـCIA أن أنفاقه تخفي مخزون اليورانيوم المخصب ومختبرات سرية لتطوير الأسلحة النووية)، تحت ستار غارات جوية منسقة وعنيفة (تقودها قاذفات الشبح الاستراتيجية B-2).
وفي السياق ذاته، تذهب بعض السيناريوهات إلى مستويات “جموح” تتطرق إلى “غزو بري شامل” بالاعتماد على أعداد تتجاوز في بعض التقديرات 50 ألف عسكري من قوات المارينز والنخبة، بهدف القضاء على “معاقل” الحرس الثوري في أهم المناطق والمدن والإيرانية، “على غرار ما حدث مع تنظيم داعش”، وهو التصور الذي رد عليه ترمب علنًا بالقول: “نعم، هذا ما يعنيه الأمر بالتأكيد. سنرى ما سيحدث”.
وإذا كان البعض يستبعد مثل تلك الخيارات التي قد تكون مكلفة بشريًا، استنادًا إلى تراجع ترمب في مرحلة سابقة عن المضي في مخطط إسرائيلي بنفس المعنى، تتزايد أصوات من يرون أن خطط “الغزو البري المحدود” لم تعد مجرد أداة للضغط النفسي أو السياسي على قادة إيران، بل تعززه مؤشرات عملية وتحركات عسكرية على الأرض؛ مثل الانفجارات الهائلة مؤخرًا في محيط جزيرة ‘خرج’، بالتزامن مع تفعيل صفارات الإنذار “الاحترازية” في البحرين (الأقرب جغرافيا للجزيرة).
ومن هذا المنظور، يحدد الخبير العسكري التركي ‘ميتي سوحت أوغلو’ -في مقابلة مع وكالة ‘نوفوستي’ الروسية، ثلاثة مؤشرات ترجّح إقدام الإدارة الأمريكية على هذه خطوة العمل البري:
– تكثيف التدريبات العسكرية الأمريكية المشتركة والنوعية في المنطقة.
– تكثيف الاتصالات الدبلوماسية “غير المعلنة” مع الحلفاء الإقليميين.
-نبرة إدارة ترمب وتسريبات البيت الأبيض التي تمهد للرأي العام الداخلي والخارجي حتمية الحل العسكري البري.
في المقابل، لا تبدو إيران خالية الوفاض من أوراق القوة. فيلخص الكولونيل المتقاعد ‘لورانس ويلكرسون’ Lawrence Wilkerson (رئيس موظفي وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ‘كولين بأول’) استراتيجيتها لمواجهة الغزو البري المحتمل، في ثلاثة محاور:
– حرب العصابات البحرية واستغلال الجغرافيا الصعبة، بالاعتماد على الزوارق السريعة، والألغام البحرية الذكية، والصواريخ المضادة للسفن لعرقلة أي إنزال برمائي أمريكي في جزر الخليج ومضيق هرمز.
– تفعيل جبهات “المواجهة غير المتناظرة”، عبر تشغيل شبكة الحلفاء الإقليميين الممتدة من العراق إلى اليمن ولبنان، لتحويل المواجهة إلى صراع إقليمي شامل لا ترغب واشنطن في تحمل تداعياته (خصوصًا إذا نفّذ الحرس الثوري تهديداته باستهداف محطات الطاقة في المنطقة وحركة الملاحة في البحر الأحمر).
– تكثيف “الدبلوماسية تحت النار”، بمحاولة فتح قنوات اتصال خلفية عاجلة، وهو ما أشار إليه ترمب نفسه عندما كشف أمس عن مكالمة هاتفية من طهران تطلب الاجتماع قبيل صعوده لمنصة خطابه في بنسلفانيا.
وبعيدًا عن السيناريوهات الإيرانية “الأكثر جموحًا” -مثل ما نُقل على لسان وزير الخارجية الإيراني الأسبق ‘منوشهر متقي’ بإمكانية شن هجوم بري على إحدى القواعد الأمريكية في الخليج، وأسر 100 جندي أمريكي ونقلهم إلى إيران (بحسب ما نقلته صحيفة ‘إيران إنترناشونال’ المعارضة)- تبقى الخيارات “الواقعية” لكلا الطرفين الأمريكي والإيراني في نقل المعارك الجوية والصاروخية (عن بعد) إلى الأرض محفوفةً بكثير من الصعاب والتحديات التي تقود إلى استبعادها، على الأقل في المدى القريب.

اترك تعليقا