خطر فيضانات البحيرات الجليدية يهدد جامو وكشمير

وسط تهديدات للبنية التحتية والسكان

تتزايد المخاوف البيئية في منطقة جامو وكشمير، مع تحذيرات علمية من مخاطر فيضانات البحيرات الجليدية التي قد تتحول إلى كوارث مفاجئة تهدد آلاف السكان والبنية التحتية الحيوية. وفي قلب هذه التحذيرات، تقف خمس بحيرات جليدية في جبال الهيمالايا تم تصنيفها ضمن فئة “الخطر العالي جدًا”، ما يعكس حجم التحدي البيئي الذي يواجه المنطقة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

قراءة في نتائج الدراسة

الدراسة التي أجرتها جامعة كشمير اعتمدت على تحليل علمي شامل شمل 155 بحيرة جليدية، باستخدام مؤشرات هيدروجيومورفولوجية دقيقة مثل معدل تمدد البحيرات، واستقرار السدود الطبيعية، والظروف البيئية المحيطة. وخلصت إلى أن بحيرات برامسار، شيرسار، نوندكول، جانجابال، وباغسار تمثل أعلى مستويات الخطر.

هذا التصنيف لا يعني بالضرورة وقوع كارثة وشيكة، لكنه يشير إلى احتمالية مرتفعة لانفجار البحيرات الجليدية، وهي ظاهرة تعرف علميًا بفيضانات البحيرات الجليدية، حيث ينهار السد الطبيعي المحيط بالبحيرة فجأة، مطلقًا كميات هائلة من المياه في وقت قصير.

تهديدات للبنية التحتية والسكان

تكشف التقديرات أن أكثر من 2700 مبنى تقع ضمن نطاق الخطر المحتمل، إلى جانب نحو 15 جسرًا رئيسيًا وشبكات طرق حيوية ومشروعات لتوليد الطاقة الكهرومائية. هذه الأرقام تعكس حجم التأثير المحتمل لأي فيضان جليدي، والذي قد يمتد بسرعة هائلة إلى المناطق السكنية والزراعية.

ويحذر خبراء البيئة من أن طبيعة هذه الفيضانات تجعلها أكثر خطورة من الفيضانات التقليدية، إذ تحدث دون إنذار كافٍ، وتندفع بقوة تدميرية قادرة على جرف كل ما يعترض طريقها. كما أن التضاريس الجبلية في المنطقة تزيد من سرعة تدفق المياه، ما يقلل فرص الاستجابة الفعالة.

التغير المناخي كعامل مضاعف

يرى مختصون أن التغير المناخي يلعب دورًا محوريًا في تفاقم هذه المخاطر. فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تسارع ذوبان الجليد، ما يزيد من حجم البحيرات ويضعف استقرار الحواجز الطبيعية المحيطة بها. كما أن الأمطار الغزيرة غير المتوقعة، والتي أصبحت أكثر شيوعًا، قد تكون عاملًا محفزًا لانهيار هذه الحواجز.

ويشير الباحثون إلى أن النشاط الزلزالي في المنطقة قد يمثل أيضًا عامل خطر إضافي، إذ يمكن لأي هزة أرضية أن تؤدي إلى انهيار مفاجئ للسدود الجليدية، ما يطلق موجة فيضانية مدمرة.

فجوات في البيانات والتقييم

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة وجود تحديات كبيرة في تقييم المخاطر بدقة. فغياب البيانات الميدانية حول أعماق البحيرات وحجمها الفعلي يمثل عائقًا رئيسيًا أمام بناء نماذج دقيقة للتنبؤ. وتعتمد معظم التقديرات الحالية على صور الأقمار الصناعية، والتي رغم أهميتها، لا توفر صورة كاملة عن البنية الداخلية للبحيرات.

ولهذا، شدد الباحثون على ضرورة إجراء قياسات ميدانية مباشرة، تشمل تحديد الأعماق وتضاريس القاع، إلى جانب تطوير أنظمة مراقبة مستمرة لرصد أي تغيرات في حجم البحيرات أو استقرارها.

الحاجة إلى استجابة عاجلة

في ضوء هذه المعطيات، يبرز السؤال حول مدى جاهزية السلطات للتعامل مع هذا النوع من الكوارث. فحتى الآن، لا تزال خطط الطوارئ محدودة، كما أن أنظمة الإنذار المبكر غير متطورة بالشكل الكافي في العديد من المناطق الجبلية.

ويرى خبراء أن الاستثمار في أنظمة المراقبة والإنذار المبكر يمكن أن يقلل بشكل كبير من الخسائر المحتملة، من خلال منح السكان وقتًا كافيًا للإخلاء. كما أن تعزيز البنية التحتية المقاومة للكوارث، وتوعية المجتمعات المحلية بالمخاطر، يمثلان عنصرين أساسيين في أي استراتيجية فعالة.

بين التحذير والواقع

ورغم أن الجهات الرسمية تؤكد أن الخطر ليس وشيكًا، إلا أن المؤشرات العلمية تدعو إلى عدم التهاون. فالتجارب السابقة في مناطق أخرى من الهيمالايا أظهرت أن فيضانات البحيرات الجليدية يمكن أن تحدث بشكل مفاجئ، تاركة وراءها دمارًا واسعًا وخسائر بشرية كبيرة.

في النهاية، تمثل هذه البحيرات “قنابل مائية صامتة” تتطلب مراقبة دقيقة واستعدادًا دائمًا. وبينما تستمر التغيرات المناخية في إعادة تشكيل المشهد البيئي، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل التحذيرات العلمية إلى سياسات عملية قادرة على حماية الإنسان والبنية التحتية من كارثة قد تقع في أي لحظة.