حين تحكم البراجماتية.. تضيع المجتمعات «ترامب نموذجا»

د. ياسر عبد التواب يكتب

لم يعد خافيًا أن كثيرًا من أزمات العالم المعاصر لا تعود إلى نقص الموارد أو ضعف المؤسسات، بل إلى غياب القيم عن الفعل السياسي. فحين تُدار الدول بمنطق البراجماتية المجردة، وحين تُختزل السياسة في المنفعة الآنية والصفقات السريعة، تصبح الدولة كيانًا بلا روح، والمجتمع كتلة بلا اتجاه.

وقديما رفض الرسول صلى الله عليه وسلم كافة عروض المشركين في عصره للمداهنة وقبول حولول أخرى ليتخلى عن دعوته كان ذلك في بداية الأمر في مكة حين عرض عليه أبو الوليد ان يملكه عليهم او ان يجمعوا له ليكون اكثرهم مالا مقابل التخلي عن دعوة التوحيد

وكذلك في كافة الاغراءات او التهديدات في مجتمع المدينة وخاصة في غزوة الأحزاب

وعلى مثل هذا التمسك بالمبادئ سارت أمور الدولة المسلمة في الخلافة وان بعدت قليلا مع من تهاونوا من اجل المكاسب السياسية والمالية

وقد سجل التاريخ لكل مقصر ابدى التهاون في المبادئ من اجل حساب المصالح الشخصية او حتى المجتمعية الضيقة فلفظتهم الشعوب وربما رمتهم بالخيانة فلم تدعمهم حال وجودهم ولم تذكرهم بعد موتهم بخير

البراجماتية السياسية، كما تُمارس اليوم، تقوم على قاعدة واحدة: ما يحقق المصلحة الآن هو الصحيح.

غير أن هذه القاعدة، حين تُفصل عن الأخلاق، تتحول إلى غطاء يشرعن الفساد، ويبرر الكذب، ويجعل السرقة “دهاءً سياسيًا”، لا جريمة أخلاقية. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي، لا في الاقتصاد، بل في الضمير العام.

أما العلمانية السياسية، التي رُوّج لها بوصفها حيادًا، فقد أثبتت في كثير من التجارب أنها فصلٌ للقيم عن المجال العام أكثر من كونها تنظيمًا للعلاقة بين الدين والدولة. فالسياسة التي تُدار بلا مرجعية أخلاقية واضحة لا تكون عادلة، حتى وإن كانت “قانونية”. والقانون بلا قيم لا يحمي الضعفاء، بل يخدم الأقوى.

في المجتمعات المسلمة، تبدو هذه الإشكالية أكثر عمقًا. فهذه المجتمعات لا تفصل بين القيم والدولة، ولا ترى الأخلاق شأنًا فرديًا فقط، بل أساسًا لضبط السلطة وحماية المجتمع. وحين تُفرض عليها نماذج براجماتية أو علمانية منزوعة القيم، تكون النتيجة واضحة: فساد، ازدواجية، وضياع المعايير. فالدولة تقول شيئًا، والمجتمع يؤمن بشيء آخر، ويضيع الناس بين الخطابين.

تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقدم نموذجًا حيًا لهذا الانفصال الخطير بين السياسة والقيم. فخطابه وممارساته تجاه الأقليات والمهاجرين، ولا سيما المسلمين والصوماليين، والهجوم المتكرر على شخصيات سياسية مثل إلهان عمر، لم تكن مجرد خلافات سياسية، بل تعبيرًا عن منطق براجماتي إقصائي يرى في الآخر عبئًا أو تهديدًا، لا إنسانًا ذا حقوق.

وعلى المستوى الدولي، تعامل ترامب مع الدول بمنطق الصفقة لا الشراكة، والضغط لا الاحترام. لوّح بضم أراضٍ، وفرض إملاءات على دول ذات سيادة، وضغط حتى على حلفاء تاريخيين في أوروبا وأمريكا الجنوبية. في هذا النموذج، تسقط القوانين الدولية، وتُهمّش القيم، ويبقى منطق القوة وحده حاضرًا.

أما دعمه غير المشروط للكيان الصهيوني، فقد مثّل ذروة البراجماتية المنفلتة من أي اعتبار أخلاقي أو إنساني، حيث غُيّبت حقوق الشعب الفلسطيني، وتجاهل القانون الدولي، مقابل تحقيق مكاسب سياسية آنية.

الخطر الأكبر في هذا النهج أنه لا يفسد دولة بعينها فقط، بل يفسد النظام الدولي بأكمله. فعندما تُدار العلاقات بين الدول بلا قيم، تصبح الاتفاقيات مؤقتة، والتحالفات هشّة، والصراعات مفتوحة بلا ضوابط.

الدرس الذي يجب ألا يُتجاهل اليوم هو أن الدولة لا تُبنى بالبراجماتية وحدها، ولا تستقر بالحياد الأخلاقي. فالقيم ليست عبئًا على السياسة، بل صمام أمانها. والمجتمعات المسلمة، على وجه الخصوص، لا يمكن أن تُدار أو تنهض وهي مفصولة عن منظومة القيم والأحكام التي تشكّل وجدانها وهويتها.

إن استعادة السياسة من براثن المنفعة المجردة، وإعادة ربطها بالأخلاق والعدالة، لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدول واستقرار المجتمعات.

مستفاد من تقنية الذكاء الاصطناعي