حوار: أوراق جلوب باشا .. أسرار وخفايا العقود الحرجة في الأردن وفلسطين
الشيخ عبد الله الجعيدي يحاور محمد إلهامي
- dr-naga
- 31 أغسطس، 2026
- حوارات
- أسرار وخفايا العقود الحرجة, أوراق جلوب باشا, الأردن وفلسطين, البصرة, اليهود, بغداد, حوار, حوار الشيخ عبد الله الجعيدي, حوارات, سايكس-بيكو, محمد إلهامي
حوار الشيخ عبد الله الجعيدي مع الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية الأستاذ محمد إلهامي
عبد الله الجعيدي: أهلاً وسهلاً بك أستاذ محمد. معنا الليلة مذكرات جديدة، مختلفة عن سابقاتها، وهي مذكرات جلوب باشا. هل يمكن أن تعطينا نبذة عن من هو جلوب باشا، وما قيمة هذه المذكرات؟
محمد إلهامي: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
جلوب باشا هو، بالطبع، أحد أهم الشخصيات في القرن العشرين في عالمنا العربي والإسلامي. وهو القائد الإنجليزي الذي أسس الجيش الأردني، وتأسيس الجيش الأردني يعني في الحقيقة أنه أسس الأردن؛ لأنه لم تكن هناك أصلًا دولة اسمها الأردن. ومن الأشياء التي لا يعرفها كثير من الناس أن بريطانيا لم تؤسس إسرائيل فقط، بل أسست أيضًا الأردن. فلم تكن الأردن دولة قائمة، وإنما كانت قطعة من بلاد الشام، وتحديدًا من سوريا الكبرى، وكان شرقها تابعًا في العادة للعراق.
وقد أُنشئت الدولة بهذه الحدود المعروفة على يد الإنجليز، إذ كانت بريطانيا تدفع من أموالها لإنشاء جيش تابع للملك عبد الله، الذي كان من أخلص رجال الإنجليز وأكثرهم تفانيًا في خدمتهم، وهو المسؤول الأول، أو من أبرز المسؤولين، عن النكبة الفلسطينية.
ولو قلنا إن لورنس العرب هو مهندس الثورة العربية الكبرى، فإن جلوب باشا يمكن اعتباره «لورنس رقم اثنين»، أو تلميذًا للورنس من الطبقة الثانية؛ فهو من الذين هندسوا الأردن، وأسهموا في هندسة الوجود الإسرائيلي وقيام دولة إسرائيل، لأنه كان قائد الجيش الأردني طوال هذه الفترة.
تأسس الأردن رسميًا عام 1921، وبقي جلوب باشا فيه حتى عام 1956. ولماذا تخلص منه الملك حسين لاحقًا؟ لأن شمس الإنجليز كانت قد غربت، وجاءت شمس الأمريكيين، فحدث استبدال لطيف للنفوذ الإنجليزي بالنفوذ الأمريكي.
جلوب باشا عسكري بريطاني نشأ في بيت متدين بالمسيحية. وهو يذكر أن أباه كان لا يترك الصلاة، وأن أمه كانت تراسله وهو في المعسكرات التدريبية بمقاطع دينية. ودُفن أبوه في كنيسة، وقضت أمه آخر أيامها في كنيسة ضمن دار للمنصرين، وبعد وفاة أبيه سكنت في مستوطنة أمريكية في القدس.
وقد نشأ بهذه النشأة التي فيها تدين وتعلق بالمسيحية، ورغم أنه لا يفصح عن ذلك ولا يقدم نفسه باعتباره المسيح المخلص أو الصليب الجديد، إلا أنه ينطوي على نفسية صليبية هائلة، ويذكر في كتابه: «إن نسيتك يا أورشليم فلتشل يميني».
بعد الحرب العالمية الأولى، انتقل إلى العراق، وظل فترة موجودًا فيها، وهو من مهندسي الحكم الإنجليزي في العراق، وإن كان تأثيره في العراق أقل من تأثيره في الأردن؛ لأنه في الأردن انفرد بالأمر وصار قائد الجيش الأردني من عام 1930 إلى عام 1956، أي لمدة ستة وعشرين عامًا، كان فيها منفردًا تقريبًا بالسيادة، وكان نفوذه أعلى من نفوذ الملك عبد الله نفسه، كما كان قائد الجيش وأركانه من الإنجليز أيضًا.
وعندما انتهى عمله وطُرد سنة 1956، عاد إلى بريطانيا وبدأ يكتب مذكراته. كتب كتابًا عن أيامه بعنوان «جندي بين العرب»، وكتب الكتاب الذي بين أيدينا، وعنوانه بالإنجليزية «مشاهد حياة متقلبة».
وقد تُرجم هذا الكتاب ترجمتين؛ ترجمة عراقية بعنوان «مذكرات جلوب باشا»، ترجمها سليم طه التكريتي سنة 1986 تقريبًا. ثم سُرقت هذه الترجمة من قِبل المكتبة الأهلية في الأردن ونُشرت من غير إشارة إليه، بل سُرقت حتى تعليقات المترجم التي كانت في الهامش، وجُعلت بين قوسين في المتن، مما قد يوهم القارئ بأنها من كلام جلوب باشا نفسه، وحُذفت التعليقات التي لا تعجب الأردن.
ثم نُشر الكتاب بعنوان «حياتي في المشرق»، وهو عنوان مخترع، مع تغيير عناوين الفصول لتبدو وكأنه كتاب ثانٍ.
منهجية قراءة مذكرات جلوب باشا والتحذير من روايته
عبد الله الجعيدي: هل تعتبر هذه المذكرات مرجعًا موثوقًا لفهم حقبة مهمة في تاريخ هذه الأمة، وخاصة قضية فلسطين واحتلالها؟
محمد إلهامي: هذا سؤال مهم جدًا. كتاب جلوب باشا هذا هو مذكرات، وإن كانت مختصرة، إلا أنها مذكرات متكدسة ومهمة ومفيدة، ومن الضروري الاطلاع عليها.
لكن يجب التنبيه إلى أنها مذكرات إنسان مجرم ودهية من دهات المجرمين، فقد استعمل فيها كل الأسلوب الإنجليزي في تزيين وزخرفة وتبرير ما فعله، أو أحيانًا يقفز عليه ويسكت.
لا يمكن أن يُقرأ هذا الكتاب وحده لفهم الحدث؛ لأنك لو قرأته وحده ستظن أن هذا الرجل كان راهبًا مخلصًا. فهو يقول: «أنا أقسمت يمين الولاء للملك عبد الله، وسأدافع عن المصالح الأردنية كما لو كانت وطني»، إلا إذا اختلفت الأردن مع بريطانيا، فسيكون محايدًا بالطبع!
أحيانًا يتجاوز القصة ولا يرويها، وأحيانًا يرويها على غاية من الزخرفة والتبرير الإنجليزي المعروف.
لذلك أنصح من أحب أن يقرأ هذا الكتاب أن يقرأ معه المضاد له، مثل «مذكرات عبد الله التل»، لأن عبد الله التل كان جنديًا تحت قيادة جلوب، وهو يصف كيف حصلت مشكلة فلسطين، ويصف الدهاء والخبث والمكر والغدر الذي كان عليه جلوب باشا.
جلوب باشا في هذه المذكرات ينسب انتصارات غيره إليه. فإذا أراد أن يبرر لماذا تقاعس ولماذا استولى اليهود على الأراضي التي كان مكلفًا بالدفاع عنها، يقول لك: «ما كان عندنا أموال، وما كان عندنا أسلحة، وأعدادنا كانت قليلة».
لكن إذا كانت الانتصارات التي حصلت بغير إرادته وبغير تدبيره، يقول لك: «واستطعت بجنودي الثلاثمائة أو الستمائة أن أفعل كذا وأسيطر على كذا».
فهي مذكرات رجل خبيث ودهية، تشبه كثيرًا «مذكرات اللورد كرومر» التي تناولناها في الموسم الثاني. فهو شخصية إنجليزية عقلانية، عسكرية، باردة، صاحبة نفوذ هائل، تدير الأمر بلطف وخبث وبأقل قدر من الاحتكاك.
ونادرًا ما ينتقم أو يستخدم القوة، لكنه عندما يشعر أنه غير قادر على حل الموضوع إلا بالعنف، لا يتورع عن القصف بالطائرات أو الضرب.
سياسة الإنجليز مع البدو واستغلال الأخلاق العربية
عبد الله الجعيدي: تحدثت عن برودة الأعصاب والدهاء الإنجليزي. هل يمكن أن نستمع إلى رأيه في إدارة الخلاف مع البدو، وكيف يعبر ذلك عن سياسة الإنجليز؟
محمد إلهامي: نعم، هذه قصة متكاملة تفهم منها سياسة الإنجليز وسياسة هذا الرجل.
القصة تتعلق بالحكومة العراقية في ذلك الوقت. بلادنا قبل سايكس بيكو كانت مفتوحة، والقبائل كانت تنتقل بين ما سُمي لاحقًا بدول الخليج والعراق والأردن والسعودية ومصر وسيناء بلا مشاكل؛ لأنها صحراء، وهي ديارهم.
بدأ الاستعمار والتقسيم، ونشأت الحكومات التي تحاول السيطرة على ما داخل هذه الحدود، ونشأت الدولة الحديثة التي تقيد حياة الناس.
في العراق، كان هناك خط سكة حديد يمتد من بغداد إلى البصرة، ومر على مضارب بعض القبائل. في البداية لم تتعرض القبائل للسكة الحديد، ولم تتعرض الحكومة للقبائل.
لكن الدولة أرادت أن تجمع الضرائب، وكانت فكرة الضرائب غريبة جدًا على البدو؛ لأنهم يعيشون في حرية مفتوحة، واعتبروا أخذ أموالهم نوعًا من الإذلال.
لذلك كان لابد من عقاب وتأديب لهذه القبائل التي لا تدفع الضرائب. لكن هذه القبائل كانت منتشرة على منطقة واسعة لا يمكن ضربها بالطائرات في آن واحد، فكانوا بحاجة إلى رسم خرائط لهذه المناطق لإعطائها للطيارين.
ماذا فعل جلوب باشا؟
كان مسؤولًا عن سرية الطيارين في الحكومة. ولأن الحرب والعداوة كانت مشتعلة، لم يكن بإمكان أحد من الحكومة أن يذهب إلى البدو بأمان، والبدو لا يمنحون الأمان لممثل الحكومة.
فماذا فعل؟
لبس بدلته العسكرية، وفوقها عباءة عربية، وأخذ جواده ومعه ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط، ودخل على البدو باعتباره ضيفًا، كما تقتضي الأخلاق العربية.
استضافوه دون أن يسألوه عن السبب الذي جاء به لمدة ثلاثة أيام، وأمنوه بمجرد أن ألقى السلام فردوا عليه السلام، وهذا يعني أنه صار في أمانهم.
اختار قبيلتين من بينهم، ودخل إليهم بصفة الزائر، وأمنوه واستضافوه وصار معهم كأنه صديق.
وأول ما أخذ منهم الأمان، خلع عباءته وظهر أنه عسكري بريطاني موفد من الحكومة!
لكنه تمتع بما عند العرب من الأخلاق والشهامة، واستغل هذه السذاجة والأخلاق الحسنة التي لا تصلح إلا في بيئة تحترم هذه الأخلاق، وتحتاج إلى سياج من اليقظة والتدبير، كما قال سيدنا عمر: «لست بالخب ولا الخب يخدعني».
هذا الرجل بات على الغدر، فبعد أن أخذ الأمان، كشف لهم أنه موفد من الحكومة ومطلوب منهم دفع الضرائب. وبهذا الأمان دار وطاف على القبائل وهو يرسم خرائط أماكنهم لكي تقصفهم الطائرات.
وبعد أن أنهى مهمته، قال لهم بوضوح: «أنا جئت هنا لأحذركم، الحكومة ستستدعي شيخين من قبيلتيكما بعد أيام، إن جئتم فبها ونعمة، وإن لم تجيئوا فستقصف هذه القبائل بالطائرات، وأنا قد رسمت خرائطها وسأقصفها بنفسي».
اعتمد على الأمان الذي أخذه؛ لأنهم قوم أهل أخلاق. وبعد يومين لم يستجب أحد من القبيلتين، فقُصفت هذه الأماكن بالطائرات، وتفرقت القبائل في البلاد.
بعد ذلك، استُدعيت بقية القبائل، فجاءوا خاضعين لكي لا يحدث لهم ما حدث لهاتين القبيلتين.
هنا ينتقد جلوب باشا الحكومة العراقية لأنها تصرفت بعنف مع هذه القبائل التي خضعت. كان يريد أنه بمجرد مجيئهم وإعلانهم الخضوع، تُقام لهم وليمة كبيرة، ويُرحب بهم الترحيب الكبير، ليفهموا أنهم تحولوا إلى أصدقاء للحكومة، وبذلك يستجذبونهم ويجعلونهم تابعين ومحبين.
لكنه يتأسف لأن هذه الفكرة لم تكن موجودة عند أحد، فالحكومة استطاعت أن تفرض الإخضاع، لكنها لم تستطع أن تكسب قلوبهم أو تجعلهم أصدقاء.
هذه القصة تحكي كيف كان الإنجليز يحققون أهداف القهر والإخضاع بأقل قدر ممكن من القوة، مع الاعتماد على الغدر والأمان.
وهو يبرر فعلته بتلطيف الجريمة، مدعيًا أنهم لم يقتلوا إلا رجلًا مسنًا؛ لأنهم حذروهم مسبقًا، متناسيًا أنه غدر بهم ورسم خرائط أماكنهم وهو ضيف عليهم.
جلوب باشا والسياسة الصهيونية ومركب النقص اليهودي
عبد الله الجعيدي: نلاحظ أنه يعترض أيضًا على السياسة الصهيونية في الإفراط في استعمال القوة، ويصف ذلك بنقص الحكمة عند اليهود. كيف يفسر ذلك؟
محمد إلهامي: نعم، هو يقول إن اليهود كان في مستطاعهم أن يسمحوا للعرب بالاحتفاظ بالمراكز الظاهرة للسلطة، في الوقت الذي يسيطر فيه اليهود، باعتبارهم رعايا للعرب، على الأمور المالية والتجارية.
ويرى أن اليهود، مع كونهم أذكياء تمامًا، كانت تنقصهم الحكمة، بل إنهم صمموا على امتلاك فلسطين بالقوة.
ويقول إن اليهود أصروا على أن يتصرفوا تصرف العناصر الفاتحة من الألمان والروس الذين عادى اليهود الاضطهاد على أيديهم، وأن «مركب النقص» سيطر على اليهود المهاجرين إلى فلسطين، فراح يدفع بهم إلى العنف.
هذه النظرة الإنجليزية ترى أن اليهود كان يمكنهم الوصول إلى ما يريدون لو اعتمدوا «الأسلوب الإنجليزي»، أي التسرب إلى مناطق القوة والنفوذ والمال، وإعطاء العرب مراكز الحكم الظاهرة، بينما يكون النفوذ الحقيقي بيد اليهود من الداخل.
وهذا هو الأسلوب الذي فعله الإنجليز في العراق والأردن ومصر، حيث كان المستشار الإنجليزي هو الحاكم الفعلي، رغم أن مرتبته الرسمية تبدو كمستشار أو سفير.
لكن السؤال هنا: إذا كان الإنجليز واليهود أذكياء ودهاة، فلماذا لم يلجأ اليهود إلى هذا الأسلوب الذي كان متاحًا لهم في سائر الدول العربية والإسلامية، حيث بلغ اليهود مناصب وزراء وأطباء خاصين ولم يكونوا مضطهدين؟
الإجابة هي أن المطلوب لم يكن مجرد نفوذ، بل كان المطلوب إنشاء دولة يهودية تسيطر على الحكم والسلاح، ولها النفوذ الأعلى، وأن يكون العرب خاضعين لها.
المشروع الصهيوني هو مشروع إحلالي يهدف إلى تهجير العرب وإحلال اليهود محلهم، وليس مجرد استعمار كما فعل الإنجليز في الهند أو مصر، حيث لم يحاولوا إزالة الملايين من السكان الأصليين.
جلوب باشا هنا يتحدث بلسان عربي قليلًا؛ لأنه كان قائد الجيش العربي ويرفض أن يُتهم بالخيانة أو بأنه عمل ضد مصلحة العرب، لكنه في الحقيقة يبرر الأسلوب الإنجليزي.
وهذا النموذج من «الحكم المحلي بقشرة وطنية» تم تنفيذه في سائر عالمنا العربي، حيث تحكم أقليات أو أنظمة موالية للاستعمار الإنجليزي والأمريكي، بينما القشرة محلية تتحدث بلساننا.
لكن هذا النموذج لم يُطبق في الحالة الصهيونية؛ لأن المشروع الصهيوني نفسه لم يكن يحتمل ذلك، بل كان يهدف إلى الإحلال الكامل.
دور الأردن وجلوب باشا في حرب 1948 وتقسيم فلسطين
عبد الله الجعيدي: في سياق شهادته على حرب 1948، يتحدث جلوب باشا عن تدخل الجامعة العربية وكيف غير ذلك من خطط الملك عبد الله. ما حقيقة دور الأردن في القضية الفلسطينية وفقًا لهذه المذكرات؟
محمد إلهامي: هذه الفقرة يمهد بها جلوب باشا ليقول كيف هُزم العرب وكيف قامت دولة إسرائيل.
أصل الحكاية، كما ذكرنا في مذكرات عبد الله التل، أن الملك عبد الله، مع جلوب باشا وتوفيق أبو الهدى، رئيس الحكومة، اتفقوا على أن ينفذ الملك عبد الله قرار التقسيم، ولكن على الهوى الإسرائيلي وهواه الشخصي.
قرار التقسيم كان ينص على إنشاء دولة يهودية ودولة فلسطينية، لكنهم قالوا: لا، تنشأ دولة يهودية، والجزء المخصص للفلسطينيين يأخذه الملك عبد الله.
ولماذا يأخذه الملك عبد الله؟
لأن زعيم فلسطين في ذلك الوقت كان الحاج أمين الحسيني، وهو عدو للإنجليز واليهود، وابن عمه عبد القادر الحسيني من كبار المجاهدين.
فوجود رجل مثل الملك عبد الله، الحليف الإنجليزي المخلص، إلى جوار اليهود، كان أمرًا مطمئنًا لهم، أفضل من قيام دولة فلسطينية يرأسها أمين الحسيني.
ما غرض عبد الله من هذا؟
كان يريد توسيع دولته. الشريف حسين، والد عبد الله، وُعد بأن يكون خليفة على دولة عربية كبرى تشمل الشام والعراق والجزيرة العربية مقابل الانضمام إلى مجهود الحلفاء ضد الدولة العثمانية.
لكن الشريف حسين مات منفيًا ولم يحصل على شيء.
وبقي ثلاثة إخوة: عبد الله أُعطيت له قطعة الصحراء وسُميت «إمارة شرق الأردن»؛ لأن لم يكن لها اسم، وفيصل أُعطي سوريا ثم العراق، والأخ الثالث زيد كان ملك الحجاز وطردته السعودية.
فبالتالي، لم يبقَ من الدولة العربية الكبرى إلا صحراء الأردن والعراق التي ذهبت لأخيه الأصغر.
وظل عبد الله طوال عمره يحلم بأن يستعيد سوريا ويوسع مملكته، فأراد أن يضم الجزء العربي من قرار التقسيم لتوسيع مملكته.
وجرى اتفاق بين عبد الله والإنجليز واليهود، مثل جولدا مائير، على أن يدخل بقواته لتنفيذ قرار التقسيم دون حرب بينهم.
ما عرقل هذا قليلًا هو أن الدول العربية قررت أن تحارب، فلم يعد ممكنًا أن يظهر عبد الله وكأنه الشخص الذي يوافق على قرار التقسيم علنًا.
لذلك كانت حركة الجيش الأردني، كما يضعها جلوب باشا، هي السيطرة على المناطق المخصصة للعرب في قرار التقسيم دون حرب.
لكن حصل اختراقان: ما فعله عبد الله التل في الحفاظ على القدس القديمة بتمرد على أوامر جلوب، وتخلي الجيش الأردني عن مناطق الجليل ومدينتي اللد والرملة وتسليمهما للقوات اليهودية، وبذلك رُسمت حدود الضفة الغربية كما هي موجودة الآن.
جلوب باشا يذكر أمرين متناقضين: أحيانًا يدعي أنه استطاع بقواته الصغيرة محدودة التسليح أن يحقق نتائج هائلة كالحفاظ على الضفة الغربية، وهذا غير صحيح؛ لأن ما بقي كان إما باتفاق مسبق أو بتمرد مثل تمرد عبد الله التل.
والتناقض الثاني أنه كلما أراد أن يبرر لماذا لم يقاتل أو لماذا انسحب أو سلم مدينة، يقول: «ما كان عندنا أموال، وما كان عندنا أسلحة».
أما دخول القدس، فكان اندفاعًا ورغبة من المقاتلين العرب، وتمرد عبد الله التل على أوامر جلوب للحفاظ عليها.
وجلّوب باشا ينسب هذا الانتصار إلى نفسه لاحقًا، ثم يقول بسذاجة مصطنعة: «اتضح أن اليهود لا يحترمون قرارات الأمم المتحدة، يا خسارة، ما كنت أتصور ذلك».
الدور الأهم للجيش الأردني، وعلى رأسه جلوب باشا، كان حماية حدود قرار التقسيم من أي شخصيات أو حركات عربية يمكن أن تقاتل، ومنع تسلل الفلسطينيين إلى بيوتهم.
وبذلك جعل جلوب باشا قيام إسرائيل واقعًا بعد ما كان مجرد قرار، وتوقف عند هذه الحدود، وسلم المزيد، وحرس هذه الحدود، ومنع قيام دولة فلسطينية يرأسها أمين الحسيني.
فكان جلوب باشا أحد مهندسي نشأة هذه الدولة اليهودية.
انحطاط القيم وغروب الإمبراطورية البريطانية
عبد الله الجعيدي: في نهاية المطاف، يتحدث جلوب باشا عن انحطاط الأخلاق وسبب انحطاط الأمم، ويقارن بين جيل العشرينيات والجيل الذي عاصره في بداية الثمانينيات. ما هذه الملاحظات؟
محمد إلهامي: رغم أن هذا الرجل من الدهاة والمجرمين الذين هندسوا هزائمنا ومشاكلنا، فإنه يجب ألا ننسى أنه من الرجال الذين قامت على أكتافهم الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس.
والإمبراطوريات الكبرى لا تقوم إلا على رجال أكفاء يحملون داخلهم قيمًا حقيقية تقوم بها الأمم.
جلوب باشا عاصر غروب الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، ورأى كيف أن الأمراض التي انتشرت في الجيل الحديث هي المؤثرة في غروب هذه الأمم.
لذلك كانت له تعليقات أخلاقية يجب أن نبصر فيها طبيعة المجتمعات التي تقوم على أكتافها الأمم وتتحقق فيها القوة، والمجتمعات التي يتسرب إليها الضعف والانحلال.
فهو يتحدث عن مسألة كثرة الطلاق، ويعتبرها أمرًا مدهشًا وخطيرًا، حيث يتعامل الشباب مع الزواج وكأنه مسألة حب متبادل فقط، وبمجرد مواجهة المسؤوليات يتراجع الحب ويذهبون إلى الطلاق.
وهو يرى أن هذا نذير خطر، ويجب أن يعرف الشباب والفتيات مرة أخرى أهمية الأسرة وضرورتها، وأن الزواج ليس مجرد شهوات عابرة.
كما يتحدث عن التماسك الاجتماعي الذي صار منحلًا، حيث لم تعد القيم السائدة هي نفسها، وأصبح الناس أكثر اهتمامًا بالمادة والمال.
في الجيل القديم، كان المال مجرد أداة، ولا تتحدد به مكانة المرء ولا قيمته، أما الآن فأصبح المال هو الذي يحدد قيمة الشخص، مما يسبب خللًا في موازين التصور والقيم، ويلقي بآثاره على الدول في نهاية الأمر.
ويتحدث أيضًا عن تراجع الاهتمام بالثقافة والقراءة، وأن الناس أصبحت أكثر ميلًا إلى الأمور السريعة واليسيرة، وأصبح الجيل يعاني من هشاشة ثقافية، وهي من النذر التي لا تبشر بخير.
فحقيقة الأمر أنك تجد في كلامه أمورًا منثورة حول العلامات التي يرى أنها تسبب انحلال الأمم وضعفها وتراجعها، وهو ما يتوافق مع دراسات مفكرين غربيين كانوا ينذرون بمثل هذا الانحلال في بداية الثمانينيات.
عبد الله الجعيدي: نشكرك شكرًا جزيلًا أستاذ محمد إلهامي، الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، كما نشكركم أيها الإخوة على طيب متابعتكم.
***
أُذيع هذا الحوار ضمن حلقة من برنامج «ويبقى الأثر».