حماس ترسخ حضورها الميداني في غزة

وسط ترتيبات انتقالية معقدة

في المشهد الغزي الراهن، لا تبدو التحولات السياسية المعلنة قادرة على إخفاء حقيقة السيطرة الميدانية. فمع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ وانسحاب القوات الإسرائيلية من مساحات واسعة من القطاع، عادت حركة حماس لتملأ الفراغ بسرعة، مستندة إلى بنيتها التنظيمية وشبكاتها الإدارية والأمنية التي لم تتفكك رغم شهور الحرب.

القطاع اليوم مقسّم فعليًا بفعل ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، حيث تتمركز القوات الإسرائيلية خلفه، بينما تخضع بقية المناطق لإدارة الأمر الواقع التي تقودها حماس. هذا الواقع لم يُعلن رسميًا بوصفه عودة للحكم، لكنه يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية: انتشار الشرطة، إعادة فتح بعض المكاتب الحكومية، وتنظيم الأسواق.

في مدينة غزة وخان يونس، يظهر عناصر الشرطة بزيهم الرسمي عند التقاطعات الحيوية ومداخل المستشفيات والمؤسسات العامة. كثير من مقراتهم دُمّر خلال العمليات العسكرية، إلا أن الوحدات استأنفت عملها من مواقع مؤقتة. هذا الحضور الأمني أعاد قدرًا من الانضباط إلى الشارع، لكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار البنية الأمنية التابعة للحركة.

اقتصاديًا، تبدو قبضة حماس أوضح. وزارة الاقتصاد التابعة لها تصدر نشرات أسعار دورية، وتتابع حركة السلع في الأسواق، فيما يتولى موظفون حكوميون تحصيل الرسوم والضرائب. التجار، الذين أنهكتهم الحرب وتقلّصت قدرتهم الشرائية، يتعاملون مع هذه المنظومة باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على تنظيم النشاط التجاري وضبط الفوضى.

عدد من أصحاب المتاجر يشيرون إلى أن أي نشاط تجاري في المناطق غير الخاضعة فعليًا لسيطرة حماس يظل محدودًا أو محفوفًا بالمخاطر. فالحركة، بحكم سيطرتها الأمنية والإدارية، تمتلك القدرة على تسهيل العمل أو تعطيله. هذه المعادلة تجعل من الصعب تجاوزها في أي ترتيبات اقتصادية قادمة.

في المقابل، برزت لجنة تكنوقراطية فلسطينية مكوّنة من 15 عضوًا لإدارة الشؤون المدنية، ضمن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار التي أقرها مجلس الأمن الدولي في نوفمبر. هذه اللجنة يُفترض أن تتولى ملفات الصحة والتعليم والخدمات البلدية، تمهيدًا لانتقال إداري أوسع لا تكون فيه حماس في موقع الإدارة المباشرة.

غير أن تطبيق هذا التصور يصطدم بجملة من التحديات. فالحركة لم تُبدِ استعدادًا لنزع سلاحها وفق الشروط الإسرائيلية، رغم إعلانها عدم رغبتها في الاستمرار بإدارة القطاع سياسيًا. كما أن الأجهزة القائمة — من شرطة ووزارات — لا تزال تدين بالولاء الهيكلي لها، ما يطرح تساؤلات حول قدرة اللجنة على العمل باستقلالية.

في اجتماع عُقد مؤخرًا وأُطلق عليه «مجلس السلام»، أُعلن عن تشكيل قوة شرطة فلسطينية انتقالية جديدة لتسلّم مهام الأمن، إلى جانب قوة استقرار دولية تعهّدت عدة دول بالمشاركة فيها. إلا أن غياب جدول زمني واضح لنشر هذه القوات يعزز حالة الغموض، ويترك المجال مفتوحًا أمام استمرار الوضع القائم.

من داخل المؤسسة الأمنية في غزة، تبرز مقاربة براغماتية. أحد ضباط الشرطة أشار إلى أن الجهاز سينفذ تعليمات «الحكومة القائمة» أيًا كانت، شريطة ألا تكون خاضعة لإسرائيل. هذا التصريح يعكس استعدادًا مشروطًا للتكيّف مع أي سلطة جديدة، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن الأرضية المؤسسية لا تزال بيد حماس.

على المستوى الشعبي، ينقسم المزاج العام بين الرغبة في الاستقرار والخشية من صراع صلاحيات. كثير من النازحين، الذين يعيشون في خيام وسط دمار واسع، لا يعنون كثيرًا بالتجاذبات السياسية بقدر اهتمامهم بعودة الخدمات الأساسية. غير أنهم يدركون أن أي إدارة جديدة ستحتاج إلى تفاهم عملي مع القوة الفعلية على الأرض.

تقديرات إسرائيلية تشير إلى أن حماس ما زالت تحتفظ بآلاف المقاتلين وترسانة صاروخية، ما يجعل مسألة نزع السلاح معقدة سياسيًا وأمنيًا. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو فكرة الانتقال السلس للسلطة أقرب إلى هدف تفاوضي طويل الأمد منها إلى خطوة وشيكة التنفيذ.

إقليميًا، يُنتظر أن تلعب كل من مصر والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة دورًا داعمًا للجنة التكنوقراطية، سواء من خلال التمويل أو الإسناد السياسي. غير أن فعالية هذا الدعم ستظل مرتبطة بمدى قبول حماس بهامش نفوذ محدود، أو بإعادة تعريف دورها ضمن معادلة حكم جديدة.

المشهد في غزة اليوم يتسم بازدواجية واضحة: سلطة أمر واقع تدير التفاصيل اليومية، ومشروع إدارة انتقالية يسعى إلى إعادة رسم الهيكل السياسي. بين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. فإذا لم تُحسم مسألة الأمن والسلاح، ستبقى أي صيغة انتقالية رهينة التوازنات الميدانية.

في المحصلة، استعادت حماس زمام المبادرة داخل القطاع، ليس عبر إعلان سياسي صريح، بل من خلال إعادة تشغيل أدوات الحكم الأساسية. وبينما تتواصل الجهود الدولية لترتيب انتقال إداري، يظل الواقع اليومي في غزة خاضعًا لمن يملك القدرة على التنظيم والانتشار وفرض النظام. هذا الواقع، أكثر من أي بيان رسمي، هو ما يرسم حدود السلطة الفعلية في القطاع.