حقائق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على ايران
أحمد عويدات يكتب
- dr-naga
- 4 مارس، 2026
- رأي وتحليلات
- أحمد عويدات, إسرائيل, إيران, الأمم المتحدة, الحرب الأمريكية-الإسرائيلية, العراق, المجتمع الدولي, لبنان
وأخيرا، حدث ما كان يخشاه العالم الحالم بالسلام، وحدث ما تم انتظاره وما توقعه العارفون تماماً بجوهر الأيديولوجيا الصهيونية والسياسة الأمريكية، بحلتها الجديدة الإمبريالية الترامبية الاستثمارية. ونجح بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بجر الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب وجوقة وزرائه إلى حرب تخوضها الولايات المتحدة بالنيابة عن دولة الكيان المارقة.
فبعد هذه الحشود الهائلة من أساطيل وحاملات الطائرات، وطائراتB1
وB2 المذخّرة بقنابل تخترق التحصينات. وبعد كل هذه الاجتماعات الأمنية والعسكرية، على أرفع المستويات والزيارات المتبادلة للمسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين؛ هدرت الطائرات، وانطلقت الصواريخ في ساعات الصباح الأولى من يوم السبت 28 فبراير/شباط الماضي، لتعلن بدء الحرب على إيران سعياً لتحقيق جملةٍ من الأهداف أبرزها إسقاط النظام الإيراني والتخلص من برنامجه النووي وترسانة الصواريخ البالستية. وقد نجحت الضربة الأولى بتصفية رأس الهرم الإيراني المرشد علي خامنئي، وقادة الدفاع والأركان والأمن والاستخبارات، لكنها لم تربك المشهد الإيراني كله، بل جاء الرد سريعاً. وحملت هذه الحرب الجديدة عدداً من الحقائق يمكن أن تشكل أساساً لتحليل أية مواقف سياسية أمريكية، أو إسرائيلية، أو حتى عربية ودولية.
لقد باتت «دبلوماسية الخداع»، التي مارسها بنجاح الرئيس ترامب في حرب الـ 12 يوماً في يونيو/حزيران الماضي، عنواناً عريضاً لتحقيق المفاجأة العسكرية، وشل قدرات إيران السياسية والعسكرية والاقتصادية. واليوم في هذه الحرب مُورست هذه السياسة من جديد؛ إذ تم توقيت ساعة الصفر، كما كان في المرة السابقة بعد يوم أو يومين من آخر جولة للمفاوضات بين الطرفين، وتم اختيار يوم السبت العطلة الرسمية للإسرائيليين، الذي صادف عيد المساخر (بوريم) الذي يرمز إلى نجاة اليهود من الإبادة على يد الوزير هامان، وانتصار اليهود على الفرس في ذاك الوقت؛ ما يعني أن الإيرانيين قد اطمأنوا إلى أنه لن تكون هناك هجمات عليهم في هذا اليوم؛ وقد شكل هذا العامل الأبرز في تحقيق عنصر المباغتة، ونجاح الضربة الأولى. والحقيقة الثانية أن إسرائيل والولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بوعودهما البتة على طاولة المفاوضات، لأن مساراتهم التفاوضية، ما هي إلا كسبٌ للوقت واستنزاف للطرف الآخر، وإيهام العالم، بأنهما يسعيان إلى حل دبلوماسي وسياسي، لكن لم يفنّد هذه المزاعم سوى التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون، عندما قالوا إنهم أعدوا خطة الحرب، وحددوا ساعة الصفر قبل وقت طويل، ما يعني أن ما كان يتم من مفاوضات ما هو إلا «طبخة بحص» معروفة النتائج سلفاً.
إسرائيل والولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بوعودهما البتة حول طاولة المفاوضات، لأن مساراتهم التفاوضية، ما هي إلا كسبٌ للوقت واستنزاف للطرف الآخر
أما الحقيقة الثالثة، فَتُظهِر أن سياسة القوة والعسكرة، والعصا من دون الجزرة «سلام القوة»، هي ما تميّز سياسة البيت الأبيض في إخضاع الخصم، وسياسة «الردع والهيمنة والسيطرة»، التي تميز سياسة نتنياهو وحكومته الفاشية، في تحقيق أهدافهم في الحفاظ على وجود الكيان في مواجهة إيران؛ أسوة بما فعلوه في قطاع غزة من تدميرٍ شاملٍ وإبادة واحتلال.
الحقيقة الرابعة، التي أفضت إليها هذه الحرب، هي تأكيد اعتماد الولايات المتحدة على دولة الكيان، باعتبارها قاعدة عسكرية متقدمة لها في الشرق الأوسط، وذراعها العسكري الضارب لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية، واعتبارها خزان القوات الأمريكية للعتاد والسلاح والذخيرة، والدعم اللوجستي؛ وكأنها حاملة طائرات دائمة وثابتة جغرافياً، لكنها قابلة للتوسع.
وتكمن الحقيقة الخامسة في اعتماد الفعل الاستخباراتي والتجسسي، والاختراق السيبراني كعامل حاسم في إحداث ثغرات في النظام الأمني والاستخباراتي الإيراني على أعلى المستويات، الذي مكّنهم من كشف اماكن وجود القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، وبالتالي التخلص منهم في الضربة الأولى، وكذلك تحديد المواقع الاستراتيجية لعمليات تخصيب اليورانيوم ومنصات الصواريخ، ومراكز القيادة والسيطرة، وحتى أماكن اجتماع القيادات.
والحقيقة السادسة أظهرتها اصطفافات واضحة لا لبس فيها لبعض دول الخليج والأردن مع الولايات المتحدة، والكيان المحتل، وذلك من خلال تصدّيها للصواريخ والمسيرات الإيرانية، وإعلانها غير مرة «الاحتفاظ بحق الرد والدفاع عن النفس»، على الرغم من وقوع بعضها ضحيةً لهجمات واعتداءات إسرائيلية، وانتهاك سيادتها مراراً. ونسيت أنظمة هذه الدول أنه ينظر إليهم من بوابة المصالح الإسرائيلية، التي تعتبر الحليف والركيزة الأولى للولايات المتحدة في المنطقة. والحقيقة السابعة تتمثل بسقوط شعارات الرئيس ترامب، إبان حملته الانتخابية والتي تعهد فيها أن يجعل «أمريكا عظيمة ثانية»، وأكد فيها «أمريكا أولا»، وأظهر نفسه على أنه رجل سلام، وأنه يحرص على إنهاء الحروب في مناطق عديدة في العالم. وإذ به يغذي الحروب والصراعات، بل يشنها تحت قيادته.
أما الحقيقة الثامنة فتبرز من خلال تفرّد الولايات المتحدة ودولة الكيان بشن هذه الحرب بمفردهما، بعيدا عن إشراك أوروبا أو دول أخرى، أو حتى الحصول على تفويضٍ أمميٍ شرعيٍ؛ بتشكيل تحالفٍ دوليٍ وإقليمي، للقيام بهذه المهمة أسوة بما تم فعله لغزو العراق، وإسقاط نظامه؛ ومردُّ ذلك السياسة الرعناء التي ينتهجها ترامب تجاه أوروبا وحلفائه، ورفض هؤلاء لهذه السياسة الإخضاعية والإلحاقية.
والحقيقة التاسعة، تتمثل في سقوط استراتيجية الحرب الخاطفة، التي دأب على استخدامها الجيش الإسرائيلي في حروبه السابقة، والاعتماد على الضربات الجوية والصاروخية، تماما مثلما حدث في حرب السنتين على قطاع غزة، وربما يعود ذلك لاتساع الجغرافيا الإيرانية، وبالتالي توزع المواقع الاستراتيجية ومنصات الصواريخ على نطاق هذه الجغرافيا، إضافة لقوة وتسليح الجيش الإيراني والحرس الثوري، وأيضا لتوفر القدرات الصاروخية البالستية والمسيرات، وصعوبة انهيار النظام الإيراني، على الرغم من الضربات الساحقة التي تلقاها، وفقدان الكثير من قيادات الصف الأول.
وآخر هذه الحقائق عجز الأمم المتحدة وغياب المجتمع الدولي في فرض إرادتهم بوقف هذه الحرب، وهذا التصعيد الخطير الذي طال دول الخليج وامتد إلى لبنان والعراق، وهدد الملاحة الدولية، وقطع الممرات البحرية (مضيق هرمز، وباب المندب وربما قناة السويس)، وبالتالي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وأوقف بعض مصادر إنتاجها وتصديرها؛ مما أثر على الاقتصاد العالمي. كما أعادت هذه الحرب للأذهان سياسة الكيل بمكيالين، وسياسة المعايير المزدوجة التي تنتهجها دول أوروبا حيال الصراعات في المنطقة، خاصة الصراع العربي الإسرائيلي ووقوفها إلى جانب الولايات المتحدة والكيان المحتل، على عكس موقفها من روسيا التي بدأت الحرب، وتأييدها لأوكرانيا ووقوفها بكل إمكانياتها إلى جانبها.
إن هذه الحقائق تُحتّم على القيادة الإيرانية الاستفادة من تجاربها السابقة، وأن تعيد النظر بسياستها الداخلية أولاً، والخارجية ثانياً، وأن تعمل على حماية قياداتها ومسؤوليها، وتحصين جبهتها من الاختراق والجاسوسية، والعمل على إجراء إصلاحات بنيوية ومجتمعية، وتوسع الانفتاح على دول العالم، وأن تسعى إلى تصحيح مسار العلاقات مع دول الجوار، وتعيد تصنيف تحالفاتها، بما يضمن أمنها ومصالحها؛ كل هذا إذا كتب لهذه القيادة الإيرانية أن تبقى ممسكة بزمام الأمور وقيادة البلاد في ظل هذه الحرب الوجودية.
المصدر: القدس العربي