“حزب الرفاه الجديد” يبرز كمنافس قوي على الساحة التركية
هل يمثل تحديا أمام "العدالة والتنمية" الحاكم؟
- Ali Ahmed
- 20 يونيو، 2026
- الأحزاب, تقارير
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
أظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قدرة مذهلة على الصمود في تركيا في فترة حكمه التي اتسمت بالبراغماتية المحنكة في الداخل والخارج والتي امتدت لأكثر من عقدين. لكن نتائج الانتخابات البلدية التي أجريت في 31 آذار/مارس ٢٠٢٤ تشير إلى أن سياسة البراغماتية هذه قد بلغت ربما حدودها القصوى. على وجه التحديد، جاء هذا النهج بشكل متزايد على حساب الجذور الأيديولوجية لسلطة أردوغان، التي دافع عنها والتي دفعت في الأساس “حزب العدالة والتنمية” إلى السلطة.
يبدو أن تبني الرئيس أردوغان التدريجي نظرة قومية بشكل متزايد، بالتزامن مع تفكيك التحالفات وإعادة بنائها خلال العقد الماضي، قد وفر فرصة لـ”حزب الرفاه الجديد” الإسلامي الحديث العهد نسبيًا.
خلال العقد الماضي، تبنى الرئيس أردوغان بشكل متزايد وجهة نظر قومية وواقعية في الداخل والخارج، فانتهز “حزب الرفاه الجديد” الفرصة وحصل على ما يقارب 7 في المئة من الأصوات في جميع أنحاء البلاد من خلال نظرة إسلامية صريحة، تُعد أكثر تحفظًا بكثير من المبادئ التأسيسية لـ”حزب العدالة والتنمية”.
إن فاتح أربكان، الذي قاد الحملة الانتخابية لـ”حزب الرفاه الجديد”، هو نجل الراحل نجم الدين أربكان، الذي أسس أول حركة سياسية إسلامية شعبية في تركيا، وكانت تدعى حركة “الرؤية الوطنية”. وكان الرئيس أردوغان نفسه عضوًا في حركة “الرؤية الوطنية” منذ سنوات مراهقته في أواخر ستينيات القرن الماضي، وكان يشير إلى نجم الدين أربكان بلقب “هوكا” (المعلم/القائد الفكري). ولم ينفصل أردوغان وغيره من “الإصلاحيين” في الحزب عن “هوكا” ويؤسسوا “حزب العدالة والتنمية” إلا في عام 2001. وبعد ثلاثة وعشرين عامًا، أصبح “حزب الرفاه الجديد”، بقيادة ابن “هوكا”، ثالث أكثر الأحزاب شعبية في تركيا في الانتخابات الثانية التي يشارك فيها ليس إلا، وتفوق بذلك على الحليف الأكبر لـ”حزب العدالة والتنمية”، وهو “حزب الحركة القومية”.
بعد تحالف “حزب الرفاه الجديد” مع الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية في أيار/مايو 2023 في أعقاب تأسيسه وحصوله على 2.90 في المئة من الأصوات على مستوى البلاد إلى جانب 5 مقاعد في البرلمان، انفصلت قيادة الحزب عن “حزب العدالة والتنمية” وانتقدت بشدة تحالف الحكومة التركية مع الغرب. وشددت أيضًا على الظروف الاقتصادية السيئة والمتدهورة للمتقاعدين الأتراك الذين شكلوا ما يقدر بنحو 18 في المئة من السكان في عام 2023. وقد كلف البروز الكبير لـ”حزب الرفاه الجديد” في الانتخابات المحلية “حزب العدالة والتنمية” الكثير من البلديات، وأدى في النهاية إلى تراجع نسبة الأصوات التي حصل عليها على مستوى البلاد إلى ما دون أصوات “حزب الشعب الجمهوري”، حزب المعارضة الرئيسي، وهذه المرة الأولى التي لا يحتل فيها “حزب العدالة والتنمية” المركز الأول في أي انتخابات تركية منذ تأسيسه في عام 2001.
يمكن أن يُعزى نجاح “حزب الرفاه الجديد” جزئيًا على الأقل إلى القرارات السياسية التي اتخذها أردوغان مع مرور الوقت. فقد ادعى “حزب العدالة والتنمية”، عند تأسيسه وفي العقد الذي تلاه تقريبًا، أنه يدعم تركيا التي تحتضن تراثها الإسلامي علنًا، ولكن ليس بالضرورة على حساب المبادئ العلمانية للبلاد، ورفض العقيدة العلمانية والقومية والأمنية المتشددة التي ميزت السياسة الداخلية والخارجية لتركيا الحديثة منذ قيامها. وتماشيًا مع هذه التطلعات، رفع أردوغان بصفته رئيسًا للوزراء الحظر المفروض على قواعد اللباس الديني، وتحديدًا حجاب المرأة، في المؤسسات العامة التركية، وعزز العلاقات الإقليمية مع جيران تركيا المسلمين، فيما عمل أيضًا على تحقيق هدف تركيا الحديثة القائم منذ وقت طويل والمتمثل في التكامل التام مع الغرب.
والأهم من ذلك أن التوجهات الإصلاحية للرئيس أردوغان عزمت على تأمين الرفاه للأتراك من الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة الدنيا، وهم الفئة الديموغرافية الأساسية للقاعدة التي تهيمن على المدن والبلدات الصغيرة في الداخل التركي.
من هذا المنطلق، كانت الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة الدنيا من بين المستفيدين الرئيسيين من النمو الاقتصادي الذي شهدته تركيا على مدى عقد بعد تسلم رجب طيب أردوغان السلطة في عام 2002. فقد انخفض معدل الفقر بثبات من 42 في المئة في عام 2003 إلى ما يقارب 13.80 في المئة في عام 2013. بالإضافة إلى ذلك، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل بحسب تعادل القوة الشرائية في تركيا من 14800 دولار إلى 24000 دولار في الفترة عينها، فيما انخفض معامل جيني من 42.20 إلى 38.80 بحلول عام 2011، ما يشير إلى أن مستوى المعيشة تحسن بشكل كبير لصالح الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة الدنيا في تركيا. وبالفعل، زادت أيضًا شعبية رئيس الوزراء آنذاك أردوغان خلال تلك الفترة، ما سمح لـ”حزب العدالة والتنمية” بالفوز بثلاثة انتخابات عامة متتالية بفضل غالبية برلمانية واضحة، وهذه سابقة في التاريخ السياسي التركي.
فضلًا عن ذلك، انخرطت الحكومة التركية رسميًا في عهد أردوغان في جهود دبلوماسية وبدأت عملية سلام مع “حزب العمال الكردستاني”، الفرع المسلح للحركة الكردية الذي صنفته تركيا بذاتها والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية، من أجل التوصل إلى حل سياسي للقضية الكردية القائمة منذ وقت طويل في تركيا. وغالبًا ما استخدم رئيس الوزراء آنذاك الأخوة الدينية في تجمّعاته في المقاطعات ذات الأغلبية الكردية خلال الحملات الانتخابية، معربًا علنًا عن رفضه “لجميع أنواع القومية”، سواء أكانت التطلعات القومية الكردية أو القومية التركية. ولاقى هذا الخطاب صدى لدى الأكراد، الذين يشكلون أيضًا فئة ديموغرافية محافظة دينيًا، ما سمح لـ”حزب العدالة والتنمية” بأن يبرز كالمنافس الجاد الوحيد للحركة السياسية الكردية في المنطقة الجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية في تركيا. وقد فاز حتى “حزب العدالة والتنمية” بأغلبية البلديات في تلك المنطقة خلال الانتخابات المحلية عام 2004، وتقاسم السلطة بالتساوي نوعًا ما مع الحركة الكردية في الانتخابات اللاحقة خلال تلك الفترة.
اليوم، تختلف ديناميكيات تركيا وسياسة الرئيس أردوغان تمامًا. فقد عمد الرئيس إلى تفكيك تحالفاته القديمة وبناء تحالفات قومية جديدة بدلًا منها. وأتت هذه القرارات كاستجابة للتطورات الرئيسية في تركيا، مثل ما كاد أن يتحول إلى حرب أهلية في المنطقة الجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية في تركيا بين الفصائل الكردية المختلفة في أواخر عام 2014، وذلك بنتيجة التطورات في شمال سوريا بعد الحرب الأهلية، فضلًا عن محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو 2016. بينما كان الرئيس أردوغان يواجه أزمات تتحدى سيطرته على السلطة خلال العقد الماضي، تقرّب بشكل متزايد من القوميين في تركيا الذين يشكلون معسكرًا سياسيًا في السياسة التركية يختلف عن الإسلاميين في تركيا من حيث التاريخ والأيديولوجية.
كان الرئيس أردوغان ينتقد بشدة القوميين بسبب هيمنتهم على سبب وجود الدولة التركية، لكن في حين بدا أن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يمثل تغييرًا في الأفكار الأساسية التي تشكل العقيدة التركية، أصبحت في نهاية المطاف “تركيا الجديدة” الأكثر ديمقراطية نوعًا ما التي أنشأها الرئيس أردوغان، نسخة مجدّدة ومعززة من “تركيا القديمة” القومية التي كان في الماضي من أشد منتقديها. والآن، وصل التحيّز القومي لـ”حزب العدالة والتنمية” إلى حد أصبح فيه من الصعب فعليًا التمييز أيديولوجيًا بينه وبين “حزب الحركة القومية”، اللذين يمثلان وجهين للعملة القومية ذاتها.
انعكس التحول في الجمهور السياسي للرئيس أردوغان أيضًا في السياسة الاقتصادية، ما أثر مباشرةً في الحياة اليومية للقاعدة التقليدية لـ”حزب العدالة والتنمية”. ومع تزايد حالة عدم اليقين السياسي في أعقاب الأزمات المتعددة والتحول الذي طرأ على نهج الرئيس أردوغان في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تباطأ تدفق الأموال الأجنبية إلى تركيا. وبدلًا من اعتماد سياسة نقدية أكثر صرامة لمعالجة المشكلة، دعا الرئيس أردوغان مرارًا وتكرارًا إلى خفض أسعار الفائدة، ما أدى إلى استمرار مشكلة التضخم وتكلفة المعيشة. وقد استفاد من معدلات التضخم المرتفعة وانخفاض تكاليف الاقتراض أولئك الذين لديهم مدخرات. وظل سعر الفائدة الرسمي أقل من سعر السوق،
شهدت الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة الدنيا في تركيا، وهي القاعدة الأساسية للرئيس أردوغان، تراجع ثروتها النسبية خلال العقد الماضي. وفي الوقت عينه، دعم المستفيدون الجدد من البرنامج الاقتصادي، أصحاب الدخل المرتفع، وبنتيجة هذا التحول في الدعم، باتت القاعدة الأساسية للرئيس أردوغان تعاني من أزمة في تكلفة المعيشة بينما يجني القادمون الجدد الفوائد الاقتصادية .
لا تزال أزمة تكلفة المعيشة متفشية. وبالتالي، من المحتمل أن يواجه “حزب الرفاه الجديد” خيبة الأمل والإحباط لدى الجماهير المهمَلة. لكن هذا الحزب ليس الحل الأمثل لأزمة الملكية التي تواجهها الإصلاحية في تركيا. فقد لاقت الحركة الإصلاحية التابعة للرئيس أردوغان تأييد الجماهير الكبيرة بفضل نظرتها الليبرالية تحديدًا. وفي المقابل، يُعد “حزب الرفاه الجديد” محافظًا جدًا بما يمنعه من اكتساب هذا التأييد في الوقت الحالي. مع ذلك، تشير انتخابات 31 آذار/مارس إلى أنه منافس جدي بالفعل على ملكية “القضية” الإصلاحية المتدينة.
يُزعم أن “حزب العدالة والتنمية” يعتزم الخضوع لإصلاحات بموجب توجيهات الرئيس أردوغان بعد نتائج الانتخابات، ومن المرجح أن يأخذ أردوغان في الاعتبار بعض هذه القضايا عند صنع القرارات. وتماشيًا مع ذلك، ستكون النقاشات الثقافية والدستورية في تركيا، بالإضافة إلى سياسة تركيا تجاه إسرائيل، من بين القضايا الأكثر دقة وحساسية. لكن لا يزال النجاح المحتمل لهذه الإصلاحات غير مؤكد نظرًا لتطلعات أردوغان القومية الجديدة في الداخل والخارج.
