حركة النهضة تعود للمشهد التونسي

في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية

تشهد تونس خلال الأيام الأخيرة تحركات سياسية متزايدة من جانب حركة النهضة، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، خاصة مع استمرار ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وتأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه المشهد السياسي التونسي حالة من إعادة التموضع بين مختلف القوى الحزبية والمعارضة.

لقاءات سياسية غير معلنة وتنسيق مع المعارضة

مصادر سياسية تونسية تحدثت عن عقد قيادات في الحركة لقاءات مع شخصيات حزبية ونقابية ومستقلين خلال اليومين الماضيين، بهدف مناقشة قضايا الحريات العامة والإصلاح الاقتصادي وإمكانية تنسيق المواقف خلال المرحلة المقبلة.

ويرى مراقبون أن هذه الاجتماعات تعكس محاولة من الحركة لإعادة بناء شبكة علاقاتها السياسية بعد سنوات من التراجع في حضورها داخل مؤسسات الدولة.

منذر الونيسي: الأولوية للأزمة المعيشية

وأكد الرئيس المؤقت للحركة منذر الونيسي أن الأزمة الاقتصادية أصبحت الملف الأكثر إلحاحاً في تونس، مشيراً إلى أن البلاد تحتاج إلى “توافق اقتصادي وسياسي واسع” لتجنب مزيد من التدهور المالي والاجتماعي.

تصريحات الونيسي تعكس تحولاً ملحوظاً في خطاب الحركة، التي باتت تركز بشكل أكبر على القضايا الاقتصادية والخدمية بدلاً من الخطاب السياسي والأيديولوجي التقليدي الذي طبع مراحل سابقة من نشاطها.

أحزاب معارضة تتهم النهضة بمحاولة العودة التدريجية

في المقابل، ترى قوى سياسية تونسية معارضة أن حركة النهضة تسعى إلى العودة تدريجياً إلى المشهد العام عبر التركيز على الملفات الاجتماعية والاقتصادية، مستفيدة من حالة الاستياء الشعبي الناتجة عن الأوضاع المعيشية الصعبة.

وتعتقد بعض الأطراف أن الحركة تحاول إعادة تقديم نفسها كقوة سياسية “اجتماعية” قادرة على مخاطبة الفئات المتضررة من الأزمة الاقتصادية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من تراجع الخدمات العامة وارتفاع الأسعار.

خبراء: الأحزاب الإسلامية أصبحت أكثر براغماتية

الباحث التونسي حمادي الرديسي اعتبر أن الأحزاب الإسلامية في تونس أصبحت “أكثر واقعية وأقل أيديولوجية”، موضحاً أن اهتمامها الحالي يتركز على الاقتصاد والخدمات العامة بدلاً من القضايا الفكرية التي هيمنت على خطابها خلال العقد الماضي.

ويرى الرديسي أن الأزمة الاقتصادية دفعت مختلف القوى السياسية في تونس إلى إعادة ترتيب أولوياتها، حيث أصبحت ملفات التشغيل والدعم الاجتماعي والإصلاح المالي أكثر تأثيراً في الرأي العام من النقاشات السياسية التقليدية.

ملف صندوق النقد يعود إلى الواجهة

كما ناقشت حركة النهضة خلال اجتماعاتها الأخيرة تداعيات المفاوضات الجارية بين الحكومة التونسية وصندوق النقد الدولي، وسط مخاوف من تأثير أي إصلاحات مالية جديدة على الأوضاع الاجتماعية.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الضغوط المالية وارتفاع المديونية قد يؤديان إلى موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية، خاصة إذا تم تقليص الدعم أو فرض إجراءات تقشفية إضافية ضمن شروط الاتفاقات الدولية.

الضغوط الاقتصادية تعيد تشكيل التوازنات السياسية

وأشار المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية في تحليل حديث إلى أن تصاعد الأزمة الاقتصادية قد يسهم في إعادة تنشيط الأحزاب ذات الخطاب الاجتماعي المحافظ داخل الشارع التونسي، خصوصاً في المناطق المتضررة اقتصادياً.

ويرى محللون أن المشهد السياسي التونسي قد يشهد خلال الأشهر المقبلة تحولات مهمة، مع سعي الأحزاب إلى استثمار الملفات المعيشية والاجتماعية لاستعادة الحضور الشعبي.

كما يتوقع مراقبون أن تواصل حركة النهضة توسيع اتصالاتها السياسية ومحاولة بناء تفاهمات جديدة مع أطراف معارضة ونقابية استعداداً لأي تغييرات سياسية محتملة.

لكن مستقبل هذه التحركات يبقى مرتبطاً بقدرة الحركة على إقناع الشارع بأنها تمتلك حلولاً عملية للأزمة الاقتصادية، في وقت لا تزال فيه قطاعات من الرأي العام تحمل الأحزاب التقليدية مسؤولية جزء من التحديات التي تعيشها تونس اليوم.

اترك تعليقا