حرب تراوي علي المؤسسات الإسلامية ببوركينافاسو.. حماية الأمن القومي واحترام حرية المعتقد
بعد رفضه منحة سعودية لبناء المساجد واستدعاء الطلاب من الجامعات العربية
- abdelrahman
- 26 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, ابراهيما تروي, الاعتماد علي الذات, التمويل الخارجي, المؤسسات الاسلامية, بوركينافاسو
الرائد : أثارت الإجراءات التي اتخذتها السلطات العسكرية في بوركينا فاسوبقيادة النقيب ابراهيما تراوري خلال الأشهر الأخيرة، ومن بينها رفض منحة سعودية لبناء 200 مسجد، واستدعاء مئات الطلاب الدارسين في جامعات إسلامية بالخارج، واعتقال عدد من الدعاة، بينهم الشيخ إسحاق كندو، جدلاً واسعاً حول طبيعة العلاقة الجديدة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية.
ودفعت هذه التطورات إلى تساؤلات بشأن ما إذا كانت البلاد تشهد تحولاً في سياستها تجاه الإسلام، الذي يدين به نحو ثلثي السكان، أم أن الأمر يندرج ضمن رؤية أمنية تتبناها السلطة في مواجهة ما تصفه بـ”التطرف الديني
تقليص اللنفوذ الخارجي
منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة بقيادة إبراهيم تراوري، تبنت الحكومة خطاباً يقوم على استعادة السيادة الوطنية وتقليص النفوذ الخارجي، سواء كان غربياً أو إقليمياً.
وفي هذا السياق، أصبحت جميع المؤسسات الأجنبية، بما فيها الدينية والخيرية، تخضع لرقابة أكثر تشدداً، وهو ما يفسر – من وجهة نظر الحكومة – رفض بعض المنح أو إعادة تقييم نشاط الجمعيات الإسلامية التي تتلقى تمويلاً من الخارج.
وترى السلطات أن الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة و”داعش” استغلت خلال السنوات الماضية بعض شبكات التعليم والعمل الخيري لنشر أفكار متشددة أو لتوسيع نفوذها في مناطق الهشاشة الأمنية. لذلك تؤكد الحكومة أن إجراءاتها تستهدف مواجهة التطرف وليس الدين الإسلامي ذاته.
في المقابل، يعتبر معارضون ورجال دين أن هذه السياسة تجاوزت ملاحقة العناصر المتورطة في العنف إلى التضييق على المؤسسات الإسلامية المعتدلة والدعاة المستقلين، وهو ما يثير مخاوف من تقييد الحريات الدينية وإضعاف الدور الاجتماعي للمؤسسات الإسلامية التي ظلت لعقود تقدم خدمات تعليمية وخيرية في مختلف أنحاء البلاد
طلاب الجامعات الإسلامية
ويكتسب ملف الطلاب المبتعثين إلى الجامعات الإسلامية حساسية خاصة، إذ ترى الحكومة ضرورة مراجعة برامج الابتعاث ومصادر التمويل والتأكد من توافقها مع أولويات الدولة، بينما يخشى منتقدون من أن يؤدي ذلك إلى تقليص فرص التعليم الديني وإضعاف الكوادر الشرعية المحلية.
أما رفض المنحة السعودية لبناء 200 مسجد، فقد فسره بعض المراقبين في إطار توجه السلطة إلى تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي أياً كان مصدره، وليس فقط التمويل القادم من الدول الإسلامية.
فالمجلس العسكري يرفع شعار “الاعتماد على الذات” ويريد أن تكون المشروعات الدينية والاجتماعية خاضعة لإشراف الدولة بصورة كاملة، حتى لا تتحول – بحسب رؤيته – إلى أدوات نفوذ سياسي أو فكري
تنظيم الدولة والقاعدة
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال البعد الأمني. فبوركينا فاسو تواجه واحدة من أعقد الأزمات الأمنية في إفريقيا، حيث تسيطر الجماعات المسلحة على مساحات واسعة من البلاد، وأدى العنف إلى نزوح ملايين السكان.
وفي مثل هذه الظروف، تميل الحكومات إلى تشديد الرقابة على المؤسسات الدينية والتعليمية خشية استغلالها من قبل الجماعات المتشددة، حتى وإن أثار ذلك انتقادات تتعلق بالحريات العامة.
ويشير مراقبون إلى أن الخطاب الرسمي يركز بصورة متزايدة على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة بدلاً من الهويات الدينية أو العرقية، في محاولة لحشد المواطنين خلف الدولة في مواجهة التحديات الأمنية. غير أن نجاح هذا النهج يعتمد على قدرة الحكومة على التمييز بين النشاط الديني المشروع وبين أي ممارسات تحرض على العنف أو تدعمه.
دور صهيوني
أما فيما يتعلق بالحديث عن دور إسرائيلي في هذه السياسات، فلا توجد حتى الآن أدلة موثقة أو معلومات معلنة تثبت وجود دور مباشر لإسرائيل في قرارات المجلس العسكري الخاصة بالمؤسسات الإسلامية أو باعتقال الدعاة في ظل حالة الدفء التي تحكم العلاقات بين تل ابيب وواجادوجو واستقبال تراوي لعدد من المسئولين الصهاينة خلال الفترة الاخيرة
وقد تطرح بعض التحليلات فرضيات تربط بين التحولات الإقليمية والعلاقات الأمنية الدولية، إلا أن هذه تبقى في إطار التكهنات ما لم تستند إلى وثائق أو تصريحات رسمية أو أدلة يمكن التحقق منها
كما أن توجهات المجلس العسكري تبدو مرتبطة بدرجة أكبر برؤيته الداخلية لإدارة الدولة والأمن، وبسعيه إلى فرض سيطرة كاملة على المؤسسات العاملة داخل البلاد، سواء كانت دينية أو مدنية أو أجنبية التمويل. ولذلك فإن ربط جميع هذه الإجراءات بتأثير خارجي محدد يحتاج إلى أدلة لا تتوفر حالياً.
اعتقال الدعاة
ومن ناحية أخرى، فإن استمرار اعتقال بعض الدعاة أو فرض قيود على الجمعيات الإسلامية قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا شعرت قطاعات واسعة من المجتمع بأن هويتها الدينية مستهدفة. فالمواجهة الناجحة مع التطرف تتطلب تعاون العلماء والمؤسسات الإسلامية المعتدلة، وليس إضعافها أو فقدان ثقة الجمهور بها.
في حين أن بعض المراقبين يرون بصعوبة الجزم بأن المجلس العسكري انقلب على الهوية الإسلامية للبلاد، لأن الإسلام لا يزال الدين الأكبر في بوركينا فاسو، ولم تعلن الدولة تغييراً رسمياً لطبيعة النظام أو مكانة الدين في المجتمع.
لكن المؤكد أن العلاقة بين السلطة والمؤسسات الإسلامية تمر بمرحلة توتر غير مسبوقة، نتيجة تشابك الاعتبارات الأمنية والسيادية مع ملف التمويل الخارجي ومواجهة الجماعات المسلحة.
وسيظل مستقبل هذه العلاقة مرهوناً بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن القومي واحترام حرية المعتقد والعمل الديني المشروع، لأن أي سياسة يُنظر إليها على أنها تستهدف الإسلام المعتدل قد تؤدي إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي بدلاً من تعزيز الاستقرار الذي تسعى إليه الدولة.
