حتى يغيروا ما بأنفسهم !

د مالك الأحمد

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
لله سبحانه سنن ثابتة في تغيير أحوال الناس والأمم؛ فالتغير لا يقع اعتباطًا، ولا يجري جزافًا، بل يرتبط بما يحدثه الناس في أنفسهم من تحول في الإيمان، والسلوك، والأخلاق، والاستقامة على أمر الله، أو الإعراض عنه. والحضارات عبر التاريخ مملوءة بالعبر؛ إذ جعل الله للأمم سننًا تحكم صعودها وهبوطها، ومن أبرزها أن النعم لا تستقر مع الفساد، وأن التمكين لا يثبت مع الانحراف، والبطر، وغياب العدل.
ومن سنن الله الثابتة أنه لا يسلب نعمة أنعم بها على قوم – من أمن، أو صحة، أو رزق، أو تمكين – إلا إذا غيّر هؤلاء ما بأنفسهم؛ فيتحولون من الإيمان إلى الكفر، ومن الشكر إلى البطر والأشر، ومن العمل والإتقان إلى الكسل والفساد، ومن الأخلاق الفاضلة إلى الأخلاق الرذيلة؛ فتكون عاقبة ذلك زوال النعمة، وحلول النقمة.
وهذه السنة القرآنية لا تقف عند الجانب الفردي، بل تمتد إلى حياة الأمم والمجتمعات؛ لأن فساد القيم، وغياب العدل، وانحلال البنية الأخلاقية، لا يلبث أن ينعكس على واقع الاجتماع الإنساني: ضعفًا في البنيان، ووهنًا في الداخل، حتى تؤول الحال إلى التراجع أو السقوط. وهذا ما لاحظه عدد من المؤرخين والمفكرين في قراءتهم لمسار الأمم، وإن اختلفت عباراتهم ومناهجهم.
فقد أشار ابن خلدون إلى أن الدول – كالأفراد – تمر بأطوار متعاقبة: تنشأ في طور الشدة، والكفاح، والقوة، ثم تزدهر وتتمكن، فإذا غلب عليها الترف والدعة بعد الخشونة، أصابها الوهن، وأخذت في مسار الضعف حتى تسقط.
ويرى توينبي، في تحليله لنشوء الحضارات وانهيارها، أن الأمم لا تموت بسبب الترف وحده، بل بسبب فقدانها القدرة على الإبداع ومواجهة التحديات، وانشغال نخبها بأنفسها، وتفاقم انقسامها الداخلي. وهذه كلها مؤشرات على مرحلة الشيخوخة الحضارية التي تسبق السقوط.
كما يرى بعض المفكرين أن الحضارة تولد من رحم المعاناة والتحدي، ثم تنمو وتزدهر، فإذا غلب عليها الترف والبطر، فقدت كثيرًا من قوتها الداخلية ودافعها الحضاري، وبدأ الانهيار من داخلها قبل أن يأتيها الخطر من خارجها. فالانغماس في الملذات ليس دائمًا علامة قوة، بل قد يكون من أعراض المرض الذي يسبق الانهيار.
ومهما تنوعت تحليلات المؤرخين والمفكرين، فإن القاعدة القرآنية تبقى أعمق وأشمل: أن التغير الحقيقي يبدأ من داخل النفس، وأن فساد الباطن يسبق فساد الظاهر، وأن زوال النعمة ليس حدثًا عارضًا، بل نتيجة لتحول عميق في القيم، والإيمان، والأخلاق.