جهود تركيا وقطر تخفف توتر العلاقات بين باكستان وأفغانستان

بعد أشهر من التوترات الأمنية على الحدود

أشادت باكستان بجهود تركيا وقطر في تهدئة الخلافات المتزايدة مع أفغانستان، معتبرةً وساطتهما خطوة صادقة تهدف إلى إعادة الثقة بين الجانبين بعد أشهر من التوترات الأمنية على الحدود

جاء ذلك في بيان لوزارة الخارجية الباكستانية، أكدت فيه التزامها بالحوار الدبلوماسي، لكنها شددت على أن مصدر قلقها الأساسي هو تزايد الهجمات الإرهابية القادمة من الأراضي الأفغانية.

منذ تولي حركة طالبان السلطة في كابول عام 2021، تصاعدت الهجمات على الأراضي الباكستانية بنسبة كبيرة، وفق بيانات أمنية. ورغم سقوط مئات القتلى من المدنيين والعسكريين، تقول باكستان إنها التزمت بأقصى درجات ضبط النفس، مفضلة الحلول الدبلوماسية على المواجهة المسلحة.

باكستان أوضحت أنها سعت للتعاون الإيجابي مع أفغانستان عبر التسهيلات التجارية والمساعدات الإنسانية، غير أن نظام طالبان – بحسب إسلام آباد – لم يتخذ خطوات عملية لمكافحة الجماعات الإرهابية. واتهمته بمحاولة “الخلط بين الإرهاب وقضايا جانبية” لتفادي التزاماته الدولية.

في المقابل، تبرر طالبان موقفها بالقول إن بعض الجماعات المسلحة “لاجئون باكستانيون” فرّوا بعد العمليات العسكرية داخل باكستان. لكن الأخيرة ترفض هذا التوصيف وتصفه بأنه “خدعة” لتغطية وجود المسلحين.

المأزق الأمني بين جارين متنافرين

يرى محللون باكستانيون أن العلاقة بين البلدين وصلت إلى نقطة حرجة. يقول الدكتور محمد فياض، الباحث في جامعة كراتشي، إن عودة طالبان إلى الحكم مثّلت “فرصة ضائعة” لإعادة صياغة العلاقة الأمنية بين الطرفين، لكنها تحولت إلى تهديد مباشر بسبب تنامي نشاط حركة طالبان باكستان على الجانب الأفغاني.

ويشير تقرير صادر عن “معهد دراسات السلام الباكستاني” إلى أن إسلام آباد أخطأت حين افترضت أن طالبان الأفغانية ستكون شريكًا أمنيًا طبيعيًا بعد انسحاب القوات الأميركية، إذ تبين أن الحركة “لا تملك السيطرة الكاملة على الجماعات المتشددة داخل أراضيها”.

ويرى الخبير الأمني ريكاردو فالي أن صبر باكستان بدأ ينفد، وأنها “تلوّح ضمنيًا بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية محدودة داخل أفغانستان إذا استمرت الهجمات”. لكنه يحذر من أن أي تصعيد قد يؤدي إلى “دوامة انتقام متبادل” تهدد استقرار المنطقة الحدودية.

في الداخل الباكستاني، تتزايد الأصوات التي تطالب الحكومة بتشديد القبضة الأمنية، بينما يدعو آخرون إلى استمرار الدبلوماسية عبر الوسطاء، خصوصًا تركيا وقطر، اللتين نجحتا مؤخرًا في جمع ممثلين من الطرفين في جولة مفاوضات ثالثة.

ردود الفعل الغربية: قلق من انهيار الاستقرار الإقليمي

حذّرت تقارير غربية من أن تصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان يهدد بإحياء ملاذات آمنة للتنظيمات المسلحة. وذكرت وكالة “رويترز” أن المواجهات الحدودية الأخيرة كانت “الأعنف منذ عام 2021″، فيما دعت واشنطن وكابول إلى “ضبط النفس والعودة للحوار”.

أما صحيفة واشنطن بوست فربطت الأزمة الحالية بخط دوراند التاريخي الذي رسمته بريطانيا في القرن التاسع عشر، مشيرةً إلى أن الخلاف الحدودي لا يزال يغذي التوترات القومية بين البشتون على الجانبين.

وفي الغارديان البريطانية، حذر المحلل إمتياز غُل من أن باكستان “توشك على رسم خطوط حمراء جديدة” تجاه نظام طالبان، في إشارة إلى احتمال تبني نهج أكثر صرامة عسكريًا ودبلوماسيًا.

الغرب ينظر بارتياح إلى الدور التركي والقطري، إذ يرى فيه وساطة معتدلة يمكن أن تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، لكنه في الوقت نفسه يشكك في قدرة أنقرة والدوحة على إقناع طالبان باتخاذ إجراءات عملية ضد الجماعات المسلحة.

بين الوساطة والتصعيد المحتمل

تسعى باكستان، بدعم من تركيا وقطر، إلى إبقاء باب الحوار مفتوحًا مع كابول، لكنها تشعر أن الوقت ينفد وأن الصبر الشعبي والعسكري بدأ يتآكل. من جانبها، ترفض طالبان اتهامات باكستان وتؤكد التزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها ضد أي دولة.

في ظل غياب الثقة، يخشى المراقبون أن يؤدي فشل الجهود الدبلوماسية إلى جولة جديدة من التصعيد الحدودي. وإذا لم تتمكن الوساطة التركية-القطرية من إحداث اختراق، فقد تواجه المنطقة مرحلة اضطراب جديدة تُضعف جهود مكافحة الإرهاب وتعيد رسم موازين القوى في جنوب آسيا.