جزيرة بوجاد الفلبينية تكافح الغرق وسط أزمة مناخية عالمية
ظاهرة علمية مقلقة
- السيد التيجاني
- 18 سبتمبر، 2025
- تقارير
- الغرق, الفلبين, ظاهرة علمية مقلقة, هبوط ارضي
في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن يفتح أطفالها أعينهم، تبدأ بائعة الطعام المتجولة ماريا تامايو يومها بعمل مضنٍ: إفراغ المياه المالحة من منزلها باستخدام مجرفة بلاستيكية صغيرة. ثلاث ساعات كاملة قد تقضيها في هذه المهمة التي باتت طقسًا يوميًا، ليس لها نهاية واضحة، سوى إرهاق جسدها المتعب. تقول المرأة ذات الـ65 عامًا: “يجب أن أجرف الماء قبل أن يستيقظ أحفادي، وإلا فسوف ينزلقون على الأرض. لكن لا فائدة… فالماء يعود دائمًا.”
هذا المشهد الصغير يلخص مأساة جزيرة بوجاد، بقعة أرض لا تتجاوز مساحتها سبعة هكتارات شمال خليج مانيلا، حيث يعيش نحو 2500 نسمة على وقع مدٍّ وجزرٍ متسارع، يبتلع بيوتهم وأحلامهم شيئًا فشيئًا.
ظاهرة علمية مقلقة: هبوط الأرض وارتفاع البحر
المعضلة التي تواجه بوجاد ليست مجرد فيضانات موسمية عابرة، بل نتاج تفاعل مزدوج بين عاملين خطيرين:
1. هبوط الأرض بمعدل يقارب 11 سنتيمترًا سنويًا – وهو الأسرع في الفلبين – نتيجة الإفراط في استخراج المياه الجوفية.
2. ارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل يتجاوز ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي (3.6 ملم سنويًا)، والمتوقع أن يتسارع إلى 13 ملم خلال الأعوام المقبلة.
الجيولوجي الفلبيني ماهر لاغماي وصف هذا التدهور بأنه “ظاهرة مقلقة للغاية”، مشيرًا إلى أن معالجة الهبوط ممكنة عبر سياسات صارمة للحد من حفر الآبار، لكن مواجهة ارتفاع البحر تتجاوز قدرة دولة مثل الفلبين وحدها، وتتطلب التزامًا عالميًا بخفض الانبعاثات الكربونية.
البحر يحدد إيقاع الحياة اليومية
في جزيرة بوجاد، لم يعد للزمن إيقاعه الطبيعي، إذ بات البحر هو “ساعة” السكان:
المدارس تعدّل جداولها يوميًا وفق خرائط المد والجزر لتجنب إصابة الأطفال بأمراض منقولة بالمياه.
البيوت تُرفع على ركائز خشبية أو خرسانية، لكن المياه تتسرب تحتها رغم ذلك.
المتاجر الصغيرة تضع البضائع على طاولات مرتفعة، في محاولة يائسة لحمايتها من المياه التي قد تصل إلى متر ونصف.
خايمي جريجوريو، قائد القرية، يصف الموقف بمرارة: “من المستحيل أن تعود حياتنا إلى طبيعتها. نرفع الطرق كل ثلاث سنوات كي نبقى قادرين على الحركة، لكن كلما تغيّرت القيادة السياسية تتوقف خطط التخفيف الطويلة المدى.”
كلفة التكيف: فقر فوق فقر
منذ عام 2022، تنفق عائلة تامايو ما لا تملكه تقريبًا على رفع منزلها فوق مستوى المياه، عبر إضافة طبقات من الحصى والخرسانة. حتى الآن تجاوزت الكلفة 200 ألف بيزو (3500 دولار)، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لعائلة فقيرة تعيش على بيع الطعام وصيد السمك.
لكن هذه المحاولات لم تعد كافية. “أحب هذه الجزيرة كثيرًا، فقد ربيتني أمي وأبي فيها… لكنني أحيانًا أفكر في الرحيل بسبب ارتفاع المد”، تقول ماريا. بينما يرد زوجها رودولفو، الذي يعمل على قارب صغير: “لا يمكننا الذهاب إلى أماكن أخرى، لن يكون لدينا عمل هناك. سنجوع.”
إنها معادلة قاسية: إما الغرق ببطء فوق الأرض، أو المجاعة بعيدًا عنها.
غياب الاستراتيجية الوطنية
رغم خطورة الوضع، لا تزال جهود الحكومة الفلبينية متفرقة. فبينما حظرت السلطات استخراج المياه الجوفية في بعض مناطق بولاكان منذ عام 2004، لم تتشكل بعد استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة الهبوط الساحلي وارتفاع البحر.
الأدهى أن وزارة البيئة لن تبدأ دراسة رسمية لمسار المستقبل إلا في عام 2028، أي بعد ثلاث سنوات على الأقل من الآن. هذا البطء البيروقراطي يثير القلق في ظل تسارع التغيرات الطبيعية، وكأن الزمن يعمل لصالح البحر لا البشر.
العدالة المناخية: ضحايا بأيدٍ مغلولة
من زاوية أوسع، تكشف مأساة بوجاد عمق أزمة العدالة المناخية في العالم. فالفلبين، مثل كثير من دول الجنوب العالمي، مساهمتها في انبعاثات غازات الدفيئة ضئيلة للغاية، لكنها من بين الأكثر تضررًا من آثار التغير المناخي.
تقول إيلينيدا باسوغ، مديرة خدمة تغير المناخ في وزارة البيئة: “نحن نتحدث عن العدالة المناخية هنا. مساهمتنا ضئيلة للغاية، لكننا متأثرون بشدة بآثاره.”
هنا يبرز سؤال محوري: هل يمكن تحميل المجتمعات المحلية الفقيرة مسؤولية التكيف مع كارثة ساهم في صنعها بالأساس الأغنياء والاقتصادات الصناعية الكبرى؟
صندوق المناخ… بلا تنفيذ
في عام 2023، أُنشئ صندوق الأمم المتحدة للمناخ لمساعدة الدول الهشة على مواجهة آثار التغير المناخي. لكن حتى الآن، لم يتم تفعيله بالشكل المطلوب، ما يجعل سكان بوجاد وأمثالهم يواجهون البحر بمواردهم المحدودة وحدهم.
هذا الجمود الدولي يعكس فجوة خطيرة بين الخطاب السياسي العالمي – الذي يتحدث عن “التضامن المناخي” – والواقع العملي، حيث تبقى المجتمعات الضعيفة مكشوفة أمام الكوارث.
خيارات قاتمة أمام الجزيرة
المستقبل القريب لبوجاد لا يحمل الكثير من التفاؤل:
التكيف المستمر: عبر رفع المنازل والطرق، لكن الكلفة مرهقة ولا تضمن الاستدامة.
الهجرة الداخلية: خيار يلوح في الأفق لكنه محفوف بالمخاطر الاقتصادية والاجتماعية.
التخلي الكامل: وهو السيناريو الأسوأ الذي يعني اختفاء مجتمع محلي بكامله تحت سطح البحر.
بالنسبة لكثير من السكان، تظل البقاء والمقاومة هي الخيار الوحيد، كما قالت ماريا وهي جالسة عند مدخل منزلها الغارق: “نحن من نعاني… إنهم أغنياء، لا نستطيع فعل شيء. حتى لو تكلمنا ضدهم، فمن سيستمع؟”
ما وراء بوجاد: رسالة إلى العالم
قصة بوجاد ليست حادثة محلية منعزلة، بل هي نموذج مصغر لمستقبل مئات المناطق الساحلية حول العالم، من دلتا النيل في مصر، إلى جزر المالديف، وحتى بعض السواحل الأمريكية.
الرسالة واضحة: الوقت يضيق، وأي تأخير في خفض الانبعاثات العالمية أو دعم المجتمعات الهشة يعني أن البحر سيبتلع المزيد من القرى والمدن، تاركًا وراءه خسائر بشرية واقتصادية وثقافية لا تعوض.
بين مدٍّ وجزر، تعيش جزيرة بوجاد معركة يومية ضد البحر. معركة غير متكافئة، يخوضها الفقراء بأدوات بدائية، فيما يملك الأغنياء التكنولوجيا والسياسات والموارد. إنها ليست فقط قصة قرية صغيرة شمال مانيلا، بل مرآة تعكس خللاً عالميًا أعمق: أن الذين لم يلوثوا الأرض هم أول من يدفع ثمن غرقها.