ثمار السياسة الاقتصادية الصينية أينعت

أودري وونغ تكتب

منذ تولي إدارة دونالد ترمب الثانية السلطة في واشنطن، تشهد السياسة الاقتصادية الخارجية الأميركية تحولاً دراماتيكياً. تفرض واشنطن رسوماً جمركية على الشركاء والخصوم على السواء، وتخفض المساعدات الخارجية، وتعيد التفاوض على اتفاقيات التجارة بعدوانية، وترفض الدبلوماسية المتعددة الأطراف. بعبارة أخرى، تتعامل الولايات المتحدة بمنطق التنمر. ومع ازدياد الحذر في التعامل مع الولايات المتحدة، تتجه دول حول العالم أكثر فأكثر إلى منافستها الاقتصادية الرئيسة: الصين. هذا التحول يُعَد أحد عوامل عدة أسهمت في ازدياد صادرات الصين عام 2025، مما أفضى إلى فائض تجاري يقارب 1.2 تريليون دولار، بزيادة قدرها 20 في المئة.

في الواقع، شكلت سياسات واشنطن مكسباً مزدوجاً لبكين. فالعروض الاقتصادية الصينية باتت أكثر جاذبية لشركاء يبحثون عن بديل من الولايات المتحدة، كما أن أساليب الضغط الأميركية جعلت لجوء الصين إلى الإكراه الاقتصادي أكثر قبولاً على الساحة الدولية. صحيح أن تشديد بكين لقيود التصدير، وإغراقها الأسواق الأجنبية بسلع رخيصة، لا يزالان يثيران القلق لدى كثير من الدول التي تريد الصين ممارسة الأعمال معها. إلا أن سجلها في توظيف الاقتصاد كأداة نفوذ سياسي لا يحتاج إلى أن يكون مثالياً لكي ينجح. تصقل الصين نهجها في الحرب التجارية الجارية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، تستخدم اتفاقيات متعددة الأطراف، ومشاريع تنموية، وتمويلاً استراتيجياً لقطاعات رئيسة، لضمان موقع الدول الأخرى داخل سلاسل الإمداد الصينية. قد لا تنجح بكين أبداً في جذب معظم هذه الدول بالكامل إلى فلكها. لكن الجمع بين “الجزرة” و”العصا” الاقتصاديتين قد يمنحها نفوذاً كافياً لتحقيق هدف مهم: تقليص المعارضة العالمية لسياساتها الداخلية والخارجية إلى الحد الأدنى.

ضبط دقيق

على مدى معظم العقدين الماضيين، فرضت بكين عقوباتها بشكل غير رسمي وغير منظم. فقد تجنّبت إطلاق تهديدات علنية، وغالباً ما أنكرت أي دور للدولة أو أي دوافع سياسية خلف إجراءاتها الاقتصادية القسرية، التي شملت قيوداً تجارية متخفية في صورة تطبيقات تقنية أو لوائح متعلقة بسلامة الغذاء، أو حملات مقاطعة يُزعم أنها صادرة عن مستهلكين صينيين قوميين. لكن خلال السنوات القليلة الماضية، عمدت الصين إلى صقل هذا النهج. فقد بدأَت بتطوير أطر قانونية جديدة واستخدام عقوبات رسمية أكثر تطوراً للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والأمنية، مستعيرة أساليب استخدمتها الولايات المتحدة وشركاؤها لسنوات.

ولم تتردد بكين في التصعيد. ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على سبيل المثال، أعلنت الصين عن قيود إضافية على تصدير المعادن النادرة، تُلزم الشركات الأجنبية بالحصول على موافقة الحكومة الصينية قبل تصدير أي منتجات أو معدات تحتوي، ولو على كميات ضئيلة جداً، من المعادن النادرة ذات المنشأ الصيني. وقد بدت هذه القيود شبيهة إلى حد لافت بضوابط التصدير الأميركية على أشباه الموصلات وبـ”قاعدة المنتج المباشر الأجنبي”، التي تمدّد القيود الأميركية لتشمل أي منتج مُصنَّع خارج الولايات المتحدة باستخدام التكنولوجيا الأميركية. ورغم أن الصين سبق أن فرضت قيوداً على عناصر المعادن النادرة، فإن القيود الجديدة هي الأكثر شمولاً حتى الآن، إذ تستهدف سلاسل التوريد العالمية برمتها وتُحكِم قبضتها على قطاع تهيمن عليه شركات التعدين والتكرير والتصنيع الصينية.

في وقت تشدد فيه الصين “العصا” فهي لا تتردد في عرض مزيد من “الجزر”

لا تمثل ضوابط التصدير تحولاً كاملاً في استراتيجية الصين القسرية، في ما لا تزال هذه العقوبات محدودة نسبياً من حيث النطاق – تستخدمها بكين أساساً رداً على الرسوم والإجراءات الأميركية أو لمعاقبة دول تدعم تايوان. كما تحافظ العقوبات على “الطابع الصيني”: إذ تتعمد بكين إدخال قدر من الغموض والمرونة للتأثير في فهم نواياها والسماح بمخرج يتيح التهدئة، كما فعلت عندما شددت ثم خففت قيودها على المعادن النادرة خلال الأشهر الماضية، مولدة حالة من عدم اليقين ورغبة لدى الدول المتضررة للتفاوض بشأن رفع العقوبات. ولم تتخل الصين أيضاً عن عادة إنكار أي دور للدولة في مثل هذه الممارسات. فعندما قالت رئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكايتشي في نوفمبر إن اليابان قد ترد عسكرياً على لجوء الصين إلى القوة في تايوان، أصدرت بكين تحذيرات سفر للمواطنين الصينيين المتوجهين إلى اليابان بحجة المخاوف الأمنية، وأعادت فرض حظر على واردات المأكولات البحرية اليابانية بدعوى التلوث الإشعاعي.

وفي وقت تشدد فيه الصين “العصا” – لا سيما في ما يتعلق بالولايات المتحدة وشركائها المقربين – تلوح الصين بمزيد من “الجزرات”، مجددة حملة استمالة تستهدف معظم بقية العالم. هي، بذلك، تقتنص فرصة قدمتها إليها إدارة ترمب: بينما تتبنى الولايات المتحدة نهجاً فاضحاً يقوم على المصلحة الذاتية في خصوص المشاركة الاقتصادية، مُقدمة الاستثمار في القطاعات الاستخراجية على غيرها، بينما تقلصه في مشاريع التنمية والعمل الإنساني، تحاول الصين تقديم نفسها طرفاً فاعلاً عالمياً داعماً ومتعاوناً.

خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول)، مثلاً، ألقى رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ خطاباً جديداً روج فيه لـ”مبادرة التنمية العالمية”، التي طُرحت عام 2021. وربط لي المبادرة بمجموعة من برامج التمويل والجهود التعاونية التي تقودها الصين لتوسيع تبني الذكاء الاصطناعي وزيادة فرص الحصول على الطاقة النظيفة، لا سيما في الجنوب العالمي. تصف بكين المبادرة بأنها وسيلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة الخاصة بالأمم المتحدة لعام 2030، ودمجت المشروع داخل الأمم المتحدة نفسها، بما يمنحه شرعية دولية وسمعة أوسع – ويعزز هذه الشرعية لتشمل كثيراً من الأنشطة الاقتصادية الصينية خارج البلاد، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية الرقمية والخضراء “الصغيرة لكن الجميلة”. يأتي هذا التركيز الجديد على مشاريع أصغر حجماً وأكثر تطلباً للتعاون من ضمن الجهود التي بذلتها بكين خلال السنوات الأخيرة لإعادة تقديم “مبادرة الحزام والطريق” ومعاودة ضبطها، وهي برنامج للبنية التحتية عالمي طموح أطلقته الصين قبل أكثر من عقد، بعدما واجه انتقادات في بلدان شريكة بسبب الفساد والمشاريع المبالغ في تكاليفها.

تجعل قوة الصين الاقتصادية من الصعب على الدول الأخرى مقاومة عروضها. في قطاعات استراتيجية مثل المركبات الكهربائية والمعادن الحيوية، تفوقت الشركات الصينية – التي كثيراً ما تستفيد من إعانات حكومية وسلاسل إمداد داخلية متكاملة رأسياً – على الشركات الأجنبية، مما منحها موطئ قدم مهيمناً في الخارج. لقد أصبحت “هواوي”، مثلاً، الجهة المزودة المفضلة لبنى الاتصالات في العديد من البلدان النامية. كذلك تسعى الحكومات الأجنبية نفسها، بسهولة ملحوظة، إلى الحصول على الاستثمار والتمويل الصينيين بوصفهما وسيلة لتحقيق طموحات اقتصادية داخلية والارتقاء من ضمن سلسلة القيمة. تايلاند، التي ظلت طويلاً رائدة إقليمياً في تصنيع السيارات، بدأت في عام 2022 تقدم إعانات وإعفاءات ضريبية لجذب مصنعي المركبات الكهربائية الصينيين، ونجحت أخيراً في استقطاب أكثر من مليار دولار من الاستثمارات من شركتي “بي واي دي” و”تشانغان أوتوموبيل” لإنشاء مصنعين جديدين. ومع تصاعد المنافسة من الشركات الصينية، أغلق منتجو السيارات اليابانيون عامي 2024 و2025 أربعة مصانع كانت تعمل منذ زمن طويل في تايلاند.

نتيجة لهذا الانفتاح الصيني المتزايد على مدى العقدين الماضيين، أصبحت دول كثيرة أكثر اندماجاً في سلاسل الإمداد التي تقودها الصين. لقد باتت مقيدة بالعمل مع الصين، حتى لو كانت قد تقبلت خيارات أخرى. إندونيسيا، مثلاً، تعلن انفتاحها على المستثمرين جميعاً، لكن الواقع أن الصين تهيمن على تعدين النيكل ومعالجته في البلاد. (إندونيسيا هي أكبر منتج للنيكل في العالم، وهي مادة تدخل في بطاريات المركبات الكهربائية). هذه الهيمنة ليست صدفة. استجابة لسياسات إندونيسية متتابعة لتعزيز المعالجة المحلية ذات القيمة المضافة – من بينها قانون للتعدين صدر عام 2009 ويفرض على المستثمرين الأجانب التخارج لضمان ملكية محلية غالبة لمشاريع التعدين – وكذلك حظرٌ فُرِض عام 2020 على تصدير خام النيكل، باعت شركات تعدين أميركية وأسترالية وأوروبية ويابانية أصولها وألغت خططاً لإنشاء مصانع. أما الشركات الصينية، فقد ضخت استثمارات كبيرة في صناعة النيكل الإندونيسية، بما في ذلك بناء مجمعات صناعية ومرافق صهر.

وبحسب “مرصد الاستثمار العالمي الصيني” التابع لـ”معهد أميركان إنتربرايز”، أصبحت إندونيسيا من بين أبرز البلدان المتلقية للاستثمارات الصينية خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من تذمر مواطنين إندونيسيين من ظروف العمل في المنشآت الصينية والأضرار البيئية الناجمة عنها، فلا بديل عملياً لديهم: بات الحضور الصيني هناك كبيراً إلى حد لا يمكن تجاوزه. كذلك يضمن حجم هذا الحضور أن تظل الصين طرفاً فاعلاً مهيمناً في الصناعات ذات الصلة، بينما تسعى إندونيسيا إلى الصعود من ضمن سلسلة القيمة في إنتاج بطاريات المركبات الكهربائية.

كذلك يمكن للعلاقات الوثيقة بين الدولة والشركات في الصين أن ترسخ أكثر نفوذ بكين. كثر من أعضاء النخب الإندونيسية – بمن فيهم بعض ممن يتخذون قرارات أساسية في السياسة الخارجية والاقتصادية – يملكون حصصاً مالية في قطاعات التعدين والمعالجة في البلاد، وبالتالي يجنون مكاسب شخصية من الاستثمارات في تلك الصناعات. ولهذا، يُظهِر القادة الإندونيسيون قدراً من الليونة السياسية تجاه بكين، على الرغم من وجود تيار قوي من المشاعر المعادية للصين في المجتمع. بينما دعمت إندونيسيا – وهي أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة على صعيد عدد السكان – قيام دولة فلسطينية وتحدثت عن الكارثة الإنسانية في غزة، صوتت (إلى جانب عدة دول أخرى ذات أغلبية مسلمة) ضد مناقشة انتهاكات الصين بحق المسلمين الأويغور في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2022. كذلك تواصل الشركات الإندونيسية تعميق الروابط التجارية مع شينجيانغ، بما في ذلك التعاون مع “فيلق الإنتاج والبناء في شينجيانغ”، وهو كيان شبه عسكري مملوك للدولة فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا عقوبات بسبب دوره المزعوم في انتهاكات لحقوق الإنسان.

عقبات في الطريق

لا تخلو طريق الصين نحو نفوذ اقتصادي أكبر من العوائق. لا تزال دول كثيرة تشعر بقلق من تدفق السلع الصينية المنخفضة التكلفة إلى أسواقها، وهي مشكلة بدأت في منتصف العقد الثاني من الألفية لكنها تفاقمت مع دفع الرسوم الجمركية الأميركية الصين إلى توجيه سلع كانت مخصصة للولايات المتحدة إلى أسواق أخرى، مما أسهم في فائضها التجاري القياسي العام الماضي. تراهن بكين على أن حجماً كبيراً من الصادرات – التي تمتد من المنسوجات إلى السلع الاستهلاكية الصغيرة إلى المركبات الكهربائية – سيعيد إنعاش اقتصادها المتباطئ ويعوض ضعف الاستهلاك المحلي. لكن بالنسبة إلى الدول التي تسعى إلى بناء قدراتها التصنيعية، تهدد هذه السلع الصينية الرخيصة بإخراج صناعات ناشئة من السوق. قد تكون الحكومات حول العالم متحمسة للتجارة والاستثمار الصينيين، لكنها لا تريد أن يقتصر الأمر على استيراد المنتجات الصينية. يسن كثير منها سياسات لحماية الصناعات المحلية، وإعطاء الأولوية إلى الاستثمارات التي تدعم التصنيع المحلي، وتخلق وظائف، وتولد نمواً بقيمة مضافة.

في البرازيل، مثلاً، حققت مبيعات المركبات الكهربائية والهجينة الصينية ازدياداً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. لقد قفزت الواردات بنحو 100 ألف مركبة بين عامي 2023 و2024، حين بلغ إجمالي الواردات 138 ألفاً، وكان 89 في المئة من المركبات الكهربائية المباعة في البرازيل في النصف الأول من عام 2024 من صنع شركات صينية. وليس مستغرباً أن شركات السيارات المحلية والتقليدية ردت بالضغط عبر تكليف مؤسسة بحثية بإجراء دراسة لمكافحة الإغراق وممارسة اللوبي الخاص بهذه الشركات ضغطاً على الحكومة البرازيلية لإلغاء الإعفاءات الجمركية الممنوحة إلى الشركات الصينية. واستجابة إلى ذلك، رفعت الحكومة البرازيلية تدريجياً الرسوم المفروضة على المركبات الكهربائية المستوردة منذ عام 2024. ومع ذلك، افتتحت الشركة الصينية “بي واي دي” في أكتوبر مصنعاً بقيمة مليار دولار – هو أكبر منشأة لها خارج آسيا – في ولاية باهيا شمال شرقي البرازيل، وذلك في موقع لا يختلف عن موقع كان يخص مصنعاً لشركة “فورد” أُغلِق قبل فترة. كما أن شركات سيارات صينية أخرى تزيد عمليات التجميع في البرازيل أيضاً.

غير أن هذه الاستثمارات تواجه تدقيقاً في شأن ما إذا كانت تخلق بالفعل نمواً عالي القيمة، إذ لا تزال قطع الغيار تُستورَد من الصين، وكذلك في خصوص المخالفات القانونية. كان المصنع الذي افتتحته “بي واي دي” حديثاً في باهيا، مثلاً، محور جدل كبير في البرازيل. لقد أُوقفت مؤقتاً أعمال البناء في أواخر عام 2024 بعدما وجد مفتشون برازيليون عاملين صينيين يعملون في بيئة “مهينة”، ويقاضي مدعون برازيليون الشركة الآن بتهمة خلق ظروف عمل “شبيهة بالعبودية”. لا شك في أن ردود الفعل على الأرض تُعَد مهمة لنجاح الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الصينية. إذا أبدت الشركات الصينية استعداداً لمعالجة المخاوف المحلية، سيكون من الأسهل على الصين توسيع بصمتها الاقتصادية في البرازيل وفي أماكن أخرى. وستتمكن من إبقاء كثير من الدول عالقة داخل سلاسل الإمداد الصينية، حتى إن كانت واشنطن تدفع تلك الدول نفسها إلى الانضمام إلى سلاسل إنتاج عالمية تستبعد الشركات والموردين الصينيين. وبالطبع، ستحقق الضغوط الأميركية نجاحاً من حين لآخر. المكسيك، وهي أكبر مشترٍ للسيارات الصينية لكن اقتصادها عموماً أشد تشابكاً مع اقتصاد الولايات المتحدة منه مع اقتصاد الصين، رفضت خطط “بي واي دي” لبناء مصنع، وفرضت رسماً جمركياً بنسبة 50 في المئة على السيارات الصينية دخل حيز التنفيذ هذا الشهر، من ضمن سياسة لتعزيز التصنيع المحلي.

لكن في حالات أخرى، مكنت رسوم ترمب الجمركية الصين من تحقيق اختراقات مع شركاء للولايات المتحدة، أحياناً عبر استغلال تناقضاتهم. عندما تبعت كندا الولايات المتحدة في فرض رسم جمركي بنسبة 100 في المئة على المركبات الكهربائية الصينية، ردت بكين بفرض رسوم انتقامية على زيت الكانولا الكندي، واتجهت إلى موردين أستراليين كانوا قد حُرِموا من السوق الصينية منذ عام 2020 بسبب مخالفات صحية مزعومة. وردت كندا بتواصل رفيع المستوى مع الصين، في انعطاف لافت بعد سنوات من علاقات دبلوماسية متوترة. وأشار رئيس الوزراء الكندي إلى أن الرسوم الأميركية العقابية كانت جزءاً من الدافع من وراء القرار الكندي. وخلال زيارته إلى بكين في يناير (كانون الثاني)، وافقت الصين على خفض رسومها على منتجات الكانولا الكندية، ووافقت كندا على السماح بدخول المركبات الكهربائية الصينية المستوردة. ومن المرجح أن تدفع سياسات الإكراه المتواصلة من قبل واشنطن كندا ودولاً أخرى إلى الاقتراب أكثر من بكين. تقوض هذه السياسات بالتأكيد أي محاولة أميركية لتنسيق الجهود مع الحلفاء لمواجهة نفوذ الصين. لقد تطلب الأمر ضغطاً أميركياً مستمراً لإقناع الشركاء بفرض ضوابط على تصدير أشباه الموصلات، ولإقناع دول مثل المملكة المتحدة باستبعاد “هواوي” من شبكات الجيل الخامس. أما السياسات المتقلبة فستجعل مساعي أميركية مثل هذه أقل إقناعاً.

جيد بما فيه الكفاية

في هذه المرحلة، تستغل الصين بهدوء الفرصة التي وفرتها السياسات الأميركية لتوسيع نفوذها الاقتصادي. فمع الرسوم التي تفرضها واشنطن، والتي تجعلها تبدو شريكاً تجارياً أقل موثوقية مقارنة ببكين، تتحرك الصين لإبرام اتفاقات جديدة. وفي أكتوبر، أبرمت بكين تحديثاً لاتفاقية التجارة الحرة مع دول “رابطة دول جنوب شرق آسيا” (آسيان)، بهدف تعزيز التعاون في مجالات البنية التحتية الرقمية والتنمية الخضراء وربط سلاسل التوريد. ومع تراجع مستوى الاستحسان العالمي للولايات المتحدة –أظهر استطلاع أجرته “الإيكونوميست” عام 2025 وشمل 32 دولة أن تفضيل الولايات المتحدة بوصفها القوة الرائدة عالمياً انخفض من 59 في المئة إلى 46 في المئة مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفع تفضيل الصين إلى 33 في المئة، بزيادة قدرها 11 في المئة (بما في ذلك زيادات تقارب 20 في المئة في البرازيل وكندا وإندونيسيا)، من المرجح أن تتراجع المخاوف من الإكراه الذي تمارسه الصين، وأن تزداد الرغبة في قبول عروضها.

ومن العوامل المساعدة أيضاً أن الصين أتقنت – أكثر بكثير من الولايات المتحدة – الجمع بين استخدام الاقتصاد كأداة للنفوذ السياسي وبين الدعاية والدبلوماسية العامة. هي تسارع إلى نسب الفضل لنفسها في الاستثمارات الناجحة، وكثيراً ما تُوفِد سفيراً لحضور قص شريط الافتتاح أو لكتابة مقالات رأي في الصحف المحلية – فيبدو الارتباط الاقتصادي بالصين وكأنه لا غنى عنه.

لا تزال دول كثيرة تحتاج إلى الوصول إلى الاقتصاد الأميركي وتريد حضوراً أمنياً أميركياً، كما يبدو من محاولاتها إبرام صفقات في شأن الرسوم الجمركية مع إدارة ترمب. ولا تتجه معظم الحكومات بالكامل نحو الصين. كثير منها لا يزال متوجساً من تصاعد الإكراه الذي تمارسه الصين، وعدوانيتها السياسية والعسكرية، وخطر الوقوع في خضم النزاع بين واشنطن وبكين. لكن هذه المخاوف تتضاءل تحت وطأة أساليب الإكراه التي تمارسها الحكومة الأميركية نفسها.

ما أتقنته الصين أكثر من غيره هو زرع الشقاق بين الدول وداخلها، بما يقوض الائتلافات التي تقودها الولايات المتحدة. في جنوب شرقي آسيا، نسجت الصين علاقات مع كمبوديا، التي باتت تتصرف كوكيل لبكين في تقويض ردود الفعل الإقليمية على التوغلات الصينية في جزر ومناطق متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وفي أوروبا، عرقلت المجر – التي تلقت 44 في المئة من الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الاتحاد الأوروبي عام 2023 – بيانات سياسية للاتحاد الأوروبي تنتقد الصين، وأيدت خطة السلام الصينية المخصصة لأوكرانيا، وأقامت شراكة أمنية مع الصين.

في الواقع، لا تُشكل العلاقات الاقتصادية لبكين “تكتلاً” بقيادة صينية، لكنها كافية – وقد ثبت ذلك في بعض الحالات – لشراء الصمت بشأن قضايا حساسة بالنسبة للصين، بما فيها النزاعات الإقليمية أو الانتهاكات الحقوقية في شينجيانغ. وقد يكون ذلك كافياً حتى لتخفيف رد فعل العالم على غزو لتايوان. في النهاية، يشجع استعداد الصين لاستخدام الجزرة والعصا معاً دولاً أخرى على تجنب المواجهة وترك بكين تلاحق مصالحها بقدر أكبر من الإفلات من تبعات المواجهة، بينما تكافح الولايات المتحدة في صورة متزايدة لحشد العالم من أجل الرد على هذه السياسات التي تنتهجها الصين.

المصدر: اندبندنت عربية