وثائق إبستين.. كيف تُدار الهيمنة الغربية بالابتزاز؟

بقلم: السيد التيجاني

منذ سنوات طويلة، يقدم الغرب نفسه بوصفه حارس القيم، وراعي حقوق الإنسان، والمدافع الأول عن الأخلاق والشفافية. غير أن ما تكشفه اليوم وثائق إبستين لا يفضح شخصًا أو شبكة منحرفة فحسب، بل يضع المنظومة الغربية بأكملها أمام مرآة قاسية، تعكس وجهًا طالما حاولت إخفاءه خلف شعارات الديمقراطية والحريات.

لطالما اتُهم المسلمون بالتشدد، وصُنّفوا في خانة الخطر الحضاري، وابتُكرت مصطلحات مثل الإسلاموفوبيا لتبرير الإقصاء والكراهية، في حين رُفعت معاداة السامية إلى مستوى الخط الأحمر الذي لا يُسمح بتجاوزه. لكن اليوم، ومع تساقط أقنعة النخب الغربية، تتبدى مفارقة صارخة: من كان يتحدث باسم الأخلاق، كان يدير في الخفاء واحدة من أبشع شبكات الابتزاز والانحلال في التاريخ المعاصر.

قضية جيفري إبستين ليست حادثة معزولة، ولا مجرد فضيحة جنسية عابرة. فكما يؤكد عدد من المحللين الغربيين المستقلين، من بينهم الصحفي الاستقصائي الأمريكي ويتني ويب، فإن شبكة إبستين كانت أداة ممنهجة لاستدراج أصحاب النفوذ، سياسيين كانوا أو إعلاميين أو رجال أعمال، وإيقاعهم في الفخ الأخلاقي، ثم تحويلهم إلى أدوات طيّعة تُدار بالابتزاز.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: لماذا تظهر هذه الوثائق الآن؟

لماذا يُرفع الستار في هذا التوقيت بالذات، رغم أن الشبكة كانت فاعلة منذ تسعينيات القرن الماضي، وربما قبل ذلك؟

برأيي، لا يمكن فصل توقيت الكشف عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي. الغرب لم يعد القطب الأوحد، ولم تعد هيمنته بلا منازع. صعود قوى جديدة، وتآكل الثقة الشعبية داخل المجتمعات الغربية نفسها، وتراجع قدرة الإعلام التقليدي على التحكم في السرديات، كلها عوامل جعلت من المستحيل الاستمرار في دفن هذا الملف.

المحلل السياسي البريطاني جوناثان كوك يرى أن النخب الغربية بدأت تتخلص من “عبء” بعض رموزها القديمة، بعد أن أدوا دورهم. وحين تنتهي صلاحية الأداة، لا مانع من التضحية بها، بل وتحويلها إلى كبش فداء، في محاولة لإنقاذ البنية العميقة للنظام.

ما يثير القلق حقًا ليس فقط ما فعله إبستين، بل من حماه، ومن موّله، ومن سمح له بالتحرك بحرية بين القصور الرئاسية وغرف القرار ومراكز الإعلام. فالقوائم التي تتسرب تباعًا تشير إلى أسماء كانت تصنع الرأي العام، وتدير الحروب، وتحدد من هو “إرهابي” ومن هو “معتدل”.

هنا، يتبدد الخطاب الغربي حول الأخلاق. كيف لمنظومة تدّعي محاربة “التطرف” أن تبني نفوذها على الرذيلة؟ كيف لمن يهاجم المجتمعات المحافظة، ويسخر من قيم الأسرة والدين، أن يستخدم الانحراف الجنسي وسيلة للسيطرة السياسية؟

يرى المفكر الفرنسي إيمانويل تود أن الغرب يعيش أزمة قيم حقيقية، وأن الليبرالية المتوحشة فرغت الإنسان من أي ضابط أخلاقي، وحولت كل شيء إلى سلعة، حتى الجسد، وحتى الأطفال. وملفات إبستين، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الانحطاط.

أما في العالم الإسلامي، فالمفارقة مؤلمة. نحن متهمون دائمًا، تُربط هويتنا بالعنف، وتُشيطن ثقافتنا، وتُفرض علينا دروس في “حقوق الإنسان” من دول كانت – وما زالت – تدير شبكات سوداء لانتهاك أبسط حقوق الإنسان وكرامته.

لماذا الآن؟

لأن السيطرة لم تعد مطلقة.

لأن موازين القوة تتغير.

لأن الفضاء الرقمي كسر احتكار المعلومة.

ولأن بعض الصراعات داخل الدولة العميقة الغربية نفسها خرجت إلى العلن.

المحلل الأمريكي مايكل هادسون يربط بين هذه التسريبات وبين الصراع داخل النخب الغربية، حيث لم يعد هناك توافق كامل بين المال، والإعلام، والسياسة، والأجهزة الأمنية. وعندما تتصارع الأجنحة، تصبح الأسرار أسلحة.

لكن الخطورة تكمن في أن يتم توظيف هذه الوثائق انتقائيًا، لتصفية حسابات داخلية فقط، دون تفكيك المنظومة التي أنتجت إبستين وأمثاله. الخطر ليس في الفرد، بل في النظام الذي سمح له بالعمل، ووفّر له الحماية، ثم حاول طيّ الصفحة بانتحار “غامض”.

من وجهة نظري، فإن ملفات إبستين تطرح سؤالًا أخلاقيًا عالميًا:

من يحكم العالم؟ وبأي وسائل؟

هل تُدار السياسات الدولية بالقيم والمصالح المشروعة، أم بالابتزاز والانحراف والفضائح؟

هذه الوثائق، مهما حاولوا احتواءها، ستبقى شاهدة على نفاق الخطاب الغربي، وعلى ازدواجية المعايير التي طالما عانى منها العالم الإسلامي ودول الجنوب. وهي فرصة أيضًا لإعادة التفكير في مصادر الشرعية الأخلاقية، ومن يملك حق توزيع صكوك “الاعتدال” و”التطرف”.

في النهاية، لا أرى في توقيت كشف وثائق إبستين صحوة ضمير مفاجئة، بل نتيجة حتمية لتآكل منظومة الهيمنة. وعندما يبدأ السقف في الانهيار، لا بد أن تسقط الأقنعة.