تعليق على حوار أردوغان وكيف تجاوز العقبات خلال ٢٥ عاما
عبد الله السحيم يكتب
- dr-naga
- 18 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- السعودية, العقبات, باكستان, تركيا, حوار أردوغان علي قناة الجزيرة, دول عربية
في لقاء الرئيس التركي امس على قناة الجزيرة بدا كلام هذا العجوز العبقري مكررا ً للمتابع مثلي .. بامكاني توقع الاجابات بنسبة 90% لكن توقفت كثيرا ً عندما سُئل : كيف تجاوزتم كل هذه العقبات خلال 25 عامًا؟
فأجاب بجملة تبدو للوهلة الأولى مجرد حكمة: «الأمر لمن يعرفه… والسيف لمن يحسن حمله»!
لكن بدأت انظر إلى تركيا التي استلمها حزب العدالة والتنمية قبل 25 عام…ونظرت إليها اليوم… وفهمت جيّداً لماذا اختار هذه العبارة الفلسفية تحديدًا.
«الأمر لمن يعرفه»…أي أن الوصول إلى الحكم شيء… ومعرفة كيف تُدار الدولة شيء آخر تمامًا.
تركيا كانت خارجة من أزمة 2001… اقتصاد مضطرب… بنوك منهارة… ديون… تضخم… ومؤسسة عسكرية تستطيع التدخل في السياسة.
وهنا بدأت المرحلة الأولى في “الأمر”…إصلاح الاقتصاد… بنية تحتية… طرق ومطارات ومستشفيات… استقرار سياسي… ثم إعادة ترتيب العلاقة بين الحكومة والجيش.
بمعنى آخر…في البداية كان المطلوب أن تتعلم تركيا كيف تمسك «الأمر».
ثم جاءت المرحلة الثانية…«والسيف لمن يحسن حمله».
والسيف هنا ليس بندقية فقط…السيف هو الاقتصاد… الجيش… الاستخبارات… الصناعة العسكرية… التكنولوجيا… الدبلوماسية… والتحالفات.
فصادرات الصناعات الدفاعية التركية التي كانت تقارب 248 مليون دولار عام 2002 فقط!!!
أصبحت اليوم تقترب من 10 مليارات دولار في 2025 … والمشاريع الدفاعية ارتفعت من نحو 62 مشروعًا إلى أكثر من 1400!!
وهنا تغيرت تركيا…من دولة تشتري السلاح لكي تحمي نفسها…إلى دولة تصنع السلاح… وتبيعه… وتستخدمه لبناء النفوذ والتحالفات.
لكن أردوغان يبدو أنه فهم شيئًا آخر…امتلاك السيف لا يعني أن تضرب به في كل مكان…فـ هذا يتناقض مع اساسيات “فن الحرب” المطبّقة حاليا عند اقوى الدول!
أن تحسن حمل السيف يعني أن يعرف خصمك أنك تستطيع استخدامه… بينما تستطيع أنت الجلوس معه على الطاولة.
وهذه تقريبًا سياسته اليوم…مع أمريكا يطالب بالـF-35 ويتفاوض مع ترامب…مع روسيا يحافظ على العلاقة…مع أوروبا يقول بعد 53 عامًا من الانتظار إن الاتحاد الأوروبي لم يعد أولوية…مع السعودية وباكستان يبني اتفاق مكة الدفاعي…مع سوريا يقول: «لن نترك سوريا وحدها أبدًا».
ومع إسرائيل يقول: نريد السلام … لكن إذا هاجمتم تركيا لن نهرب من الحرب…اي سترون مالا يعجبكم!
انظر كيف تعمل الجملة الآن بعد كل هذا …الأمر لمن يعرفه… والسيف لمن يحسن حمله.
ربما لهذا يمكن تقسيم رحلة أردوغان نفسها ببساطة:
في السنوات الأولى… تعلم كيف يمسك الأمر.
ثم بنى الاقتصاد والمؤسسات والنفوذ…ثم صنع السيف.
واليوم يحاول استخدام الاثنين معًا ليضع تركيا على طاولة النظام العالمي القادم……كـ قوّة تفرض شروطها وتجوب الشرق والغرب رغم انف الكارهين والحاقدين…والأهم أنه لا يبدو راغبًا في أن تصعد تركيا وحدها… بل نراه اليوم يسحب معها سوريا… ويقترب أكثر من السعودية وباكستان ودول عربية وإسلامية أخرى ضمن شبكة مصالح ودفاع واقتصاد تتسع شيئًا فشيئًا…..اللهم وفق كل من يريد لهذه الامّة الخير.