تصاعد جرائم الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا

أرقام قياسية واعتداءات تهدد دور العبادة

تكشف أحدث الإحصاءات البريطانية عن تصاعد مقلق في جرائم الكراهية ضد المسلمين في إنجلترا وويلز، بعدما ارتفعت بنسبة 15% خلال عام واحد، بالتزامن مع تزايد الاعتداءات على المساجد والمراكز الإسلامية، وسط تساؤلات بشأن قدرة الإجراءات الحكومية على مواجهة الإسلاموفوبيا وحماية الجاليات المسلمة.

ولم تعد القضية مقتصرة على الاعتداءات اللفظية أو التخريب الذي يستهدف المنشآت الدينية، إذ تشير تقارير حقوقية حديثة إلى تنامي خطورة بعض الهجمات التي تطال المصلين أنفسهم، مع تزايد المخاوف من انعكاسات الخطاب العدائي المرتبط بالهجرة والتوترات الدولية على الحياة اليومية للمسلمين.

وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية في 8 أكتوبر 2026 تسجيل 5132 جريمة كراهية دينية استهدفت المسلمين خلال العام المنتهي في مارس الماضي، مقارنة بـ4479 جريمة في العام السابق، بزيادة قدرها 653 جريمة.

المسلمون في صدارة الجرائم الدينية المسجلة

بلغ إجمالي جرائم الكراهية المسجلة لدى الشرطة في إنجلترا وويلز 146 ألفًا و825 جريمة خلال العام المنتهي في مارس 2026، مقابل 137 ألفًا و560 جريمة في العام السابق، بارتفاع نسبته 7%.

وسجلت الجرائم المرتبطة بالكراهية الدينية زيادة بلغت 13%، لتصل إلى 11 ألفًا و419 جريمة، بينما ارتفعت الجرائم ذات الدوافع العنصرية بنسبة 9%، مسجلة 107 آلاف و926 جريمة.

واستحوذت الجرائم التي استهدفت المسلمين على نحو 46% من الحالات الدينية التي توفرت فيها معلومات عن الديانة المستهدفة، ليكون المسلمون أكثر الجماعات الدينية تعرضًا للجرائم المسجلة من حيث العدد المطلق.

في المقابل، سجلت الاعتداءات المعادية لليهود 3162 جريمة، بزيادة 10%، لتأتي في المرتبة الثانية من حيث العدد، لكنها سجلت أعلى معدل بالنسبة لحجم السكان، بواقع 117 جريمة لكل عشرة آلاف نسمة، مقابل 13 جريمة استهدفت المسلمين لكل عشرة آلاف نسمة.

وتوضح هذه المقارنة أن تقييم حجم المشكلة يتطلب النظر إلى العدد الإجمالي للجرائم ومعدلاتها قياسًا إلى حجم الجماعات الدينية، وليس الاعتماد على مؤشر واحد.

الاعتداءات على المساجد تأخذ منحى أكثر خطورة

تكشف نتائج تقرير أصدرته مؤسسة «بريتيش مسلم ترست»، المعنية برصد الكراهية ضد المسلمين، عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في تطور طبيعة الاعتداءات التي تستهدف دور العبادة.

ورصدت المؤسسة 78 واقعة عدائية طالت 64 مسجدًا في بريطانيا وجزر القنال الإنجليزي، خلال الفترة من 21 يوليو 2025 إلى 30 يوليو 2026، بمعدل يقارب واقعة واحدة كل خمسة أيام.

والأكثر إثارة للقلق أن المؤسسة لاحظت تحولًا في أنماط الاعتداءات؛ فبعدما كانت بعض الهجمات تستهدف مباني المساجد وممتلكاتها، أصبحت تشمل تهديدات مباشرة للمصلين ومحاولات ترويع الأشخاص الموجودين داخل دور العبادة.

وبحسب مقياس الخطورة المعتمد لدى المؤسسة، صُنفت 62.7% من الوقائع المسجلة منذ نوفمبر 2025 ضمن المستويات الأربع الأعلى خطورة، التي تتضمن التهديدات المستمرة، والتلويح باستخدام الأسلحة، والتهديد بالقتل، والحرق العمد أو العنف المباشر، وصولًا إلى مخططات الهجمات الجماعية المزعومة.

وتختلف هذه البيانات عن إحصاءات الشرطة، سواء من حيث الفترة الزمنية أو طبيعة البلاغات ومعايير التصنيف، لكنها تقدم مؤشرًا إضافيًا على المخاطر الأمنية التي تواجه بعض المؤسسات الإسلامية.

من المساجد إلى الحياة اليومية.. كيف يتأثر المسلمون؟

تتجاوز تداعيات الإسلاموفوبيا الاعتداءات المباشرة، لتؤثر في شعور المسلمين بالأمان ومشاركتهم الطبيعية في الحياة العامة.

وتقر الحكومة البريطانية بأن بعض المسلمين باتوا يشعرون بالخوف عند استخدام وسائل النقل والخدمات العامة، فيما يتردد آخرون في الإبلاغ عن الاعتداءات، أو يلجأون إلى تقليل مشاركتهم في الأنشطة الاجتماعية خشية التعرض للمضايقات.

وتشمل مظاهر العداء استهداف النساء المحجبات، والاعتداء على ممتلكات يملكها مسلمون، والإساءة إلى الطلاب والعاملين، فضلًا عن المضايقات التي يتعرض لها أشخاص يُعتقد أنهم مسلمون بسبب أسمائهم أو مظهرهم أو خلفياتهم العرقية.

وتشير هذه الصورة إلى أن الضرر لا يتوقف عند الواقعة الجنائية، بل يمتد إلى تقييد شعور الأفراد بالحرية والأمان، وما يترتب عليه من عزلة اجتماعية وتراجع الثقة في المؤسسات المسؤولة عن الحماية.

وتكتسب هذه التحديات أهمية خاصة مع وجود نحو 3.9 مليون مسلم في إنجلترا وويلز وفق تعداد عام 2021، يمثلون 6.5% من السكان، ويشكلون جزءًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للبلاد.

التوترات الدولية والاحتجاجات.. لماذا ترتفع الاعتداءات؟

ربطت وزارة الداخلية البريطانية بين فترات ارتفاع جرائم الكراهية ضد المسلمين وعدد من الأحداث السياسية والأمنية، دون اعتبار هذا التزامن دليلًا كافيًا على وجود علاقة سببية مباشرة في جميع الحالات.

وسجلت الإحصاءات زيادة ملحوظة خلال سبتمبر 2025، بالتزامن مع احتجاجات واضطرابات في عدد من المناطق البريطانية، ثم ارتفاعًا آخر خلال مارس 2026، عقب اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير.

وكانت البلاد قد شهدت موجة حادة من التوترات خلال أغسطس 2024، بعد حادث قتل استهدف أطفالًا في ساوثبورت، وما أعقبه من اضطرابات واعتداءات استهدفت مهاجرين ومراكز دينية.

وتثير هذه الوقائع تساؤلات بشأن الكيفية التي تنتقل بها التوترات السياسية والصراعات الخارجية إلى الشارع البريطاني، خاصة عندما تتداخل النقاشات المتعلقة بالهجرة والهوية والأمن مع تصورات سلبية عن المسلمين.

وحذرت مؤسسة «بريتيش مسلم ترست» من أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية بشأن الهجرة والاندماج قد تتحول إلى وسيلة لإثارة العداء ضد المسلمين بصورة جماعية، حتى عندما تبدأ في إطار مناقشة سياسات عامة.

ولا تعني هذه المخاوف أن كل انتقاد لسياسات الهجرة أو الاندماج يمثل تحريضًا دينيًا، لكنها تبرز أهمية التمييز بين النقاش السياسي المشروع والخطاب الذي يحمل جماعة دينية مسؤولية جماعية عن أزمات اجتماعية أو أمنية.

الكراهية الرقمية.. امتداد جديد للاعتداءات

تشكل منصات التواصل الاجتماعي ساحة إضافية لجرائم الكراهية، حيث يمكن للتهديدات والتحريض والمضايقات أن تنتشر خارج حدود المواجهات المباشرة.

وأظهرت البيانات البريطانية أن 8028 جريمة كراهية مسجلة تضمنت عنصرًا إلكترونيًا خلال العام المنتهي في مارس 2026، وفق المعلومات التي قدمتها 35 قوة شرطة، بما يعادل نحو 7% من الجرائم المسجلة لدى هذه القوات.

ومن بين الجرائم الدينية التي شملتها البيانات، سجلت الشرطة 1040 جريمة ذات عنصر إلكتروني، دون أن تكون جميعها موجهة إلى المسلمين تحديدًا.

وتشير السلطات إلى أن هذه البيانات لا تزال قيد التطوير، وربما لا تعكس النطاق الكامل للإساءات الإلكترونية، بسبب تفاوت طرق التسجيل واكتشاف الجرائم التي تقع عبر الإنترنت.

وتزيد هذه التحديات من أهمية تحسين وسائل الإبلاغ والتحقيق في التهديدات الرقمية، لا سيما عندما تتحول حملات الإساءة إلى تحريض على العنف أو استهداف مباشر لأفراد ومؤسسات.

هل تكشف الأرقام الحجم الحقيقي للإسلاموفوبيا؟

رغم ارتفاع الأرقام الرسمية، تحذر مؤسسات حقوقية من أن جرائم الكراهية المسجلة لدى الشرطة لا تمثل بالضرورة جميع الاعتداءات التي يتعرض لها المسلمون.

وتقر وزارة الداخلية بأن بعض الضحايا لا يتقدمون ببلاغات، بينما قد لا تُصنف وقائع أخرى باعتبارها جرائم كراهية نتيجة نقص المعلومات أو عدم تحديد الدافع الديني خلال تسجيل الواقعة.

وتؤثر التغييرات التي أدخلتها أجهزة الشرطة على أنظمة تسجيل الجرائم في إمكانية المقارنة التاريخية، خصوصًا بعد تحديث نظام شرطة العاصمة لندن في فبراير 2024.

ولهذا السبب، استبعدت الوزارة بيانات شرطة العاصمة من بعض المقارنات طويلة المدى، مشيرة إلى أن التحسن في عمليات رصد الجرائم منذ عام 2014 أسهم أيضًا في زيادة الحالات المسجلة.

ومع ذلك، لفت التقرير الرسمي إلى أن الارتفاع في جرائم الكراهية خلال العامين الأخيرين لم يتطابق مع الاتجاه العام لجرائم العنف والإخلال بالنظام العام، وهو ما قد يشير إلى وجود زيادة حقيقية في هذه الجرائم، تتجاوز أثر تحسين التسجيل وحده.

كما أظهرت نتائج مسح الجريمة في إنجلترا وويلز للفترة الممتدة بين 2023 و2025 أن متوسط نسبة المسلمين الذين أفادوا بتعرضهم لجريمة كراهية دينية بلغ نحو 0.8% سنويًا، وهو مؤشر مختلف في منهجه عن سجلات الشرطة.

الحكومة البريطانية تخصص 40 مليون جنيه لحماية المؤسسات الإسلامية

أمام تزايد المخاوف الأمنية، أعلنت الحكومة البريطانية في فبراير 2026 تخصيص ما يصل إلى 73.4 مليون جنيه إسترليني لبرامج حماية المؤسسات الدينية المختلفة خلال السنة المالية 2026-2027.

وتشمل المخصصات ما يصل إلى 40 مليون جنيه إسترليني لحماية المساجد والمدارس الإسلامية والمراكز المجتمعية المرتبطة بها، من خلال توفير أنظمة المراقبة والإنذار والأسوار الأمنية وأفراد الحراسة.

وتتيح البرامج الحكومية للمؤسسات الإسلامية المؤهلة تقديم طلبات للحصول على إجراءات الحماية دون تحمل تكاليفها، وفق تقييم المخاطر والاحتياجات الأمنية لكل موقع.

وأكدت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود، عند إعلان التمويل، رفض الحكومة أي ممارسات ترهيب أو كراهية دينية، مشددة على ضرورة تمكين المواطنين من ممارسة شعائرهم دون خوف.

لكن المؤسسات الحقوقية ترى أن تعزيز التدابير الأمنية، رغم أهميته، لا يعالج وحده الأسباب الاجتماعية والسياسية التي تغذي الكراهية، وأن حماية المساجد يجب أن تترافق مع جهود لمكافحة التحريض ودعم الضحايا وتحسين المساءلة القانونية.

تعريف جديد للعداء ضد المسلمين يثير نقاشًا قانونيًا

اتخذت الحكومة البريطانية خطوة أخرى في مارس 2026، باعتماد تعريف غير ملزم قانونيًا للعداء ضد المسلمين، في محاولة لتوحيد فهم المؤسسات الرسمية والمجتمعية لأشكال التمييز والتحريض.

ويشمل التعريف الأعمال العدائية الموجهة ضد المسلمين بسبب دينهم، أو ضد أشخاص يُعتقد أنهم مسلمون، إضافة إلى بعض الممارسات التمييزية والصور النمطية التي تستهدف إثارة الكراهية ضدهم.

وأكدت الحكومة أن التعريف يركز على حماية الأفراد، ولا يغير القوانين الجنائية القائمة، كما لا يمنع النقد المشروع للأديان أو النقاش السياسي والفكري.

وأثار الإجراء نقاشًا بشأن كيفية تحقيق التوازن بين حماية المسلمين من التحريض والحفاظ على حرية التعبير، خاصة مع مطالبة بعض الجهات بتوضيح آليات تطبيق التعريف داخل المؤسسات العامة.

وتراهن الحكومة على أن يساعد هذا الإطار في تحسين رصد حالات العداء وتوفير الدعم للضحايا، بينما يظل تأثيره العملي مرتبطًا بمدى اعتماد المؤسسات له وتطوير أدوات واضحة لتنفيذه.

المسلمون في بريطانيا.. تحديات الحماية والاندماج

تضع التطورات الأخيرة المؤسسات البريطانية أمام تحدٍ يتجاوز مجرد مواجهة زيادة سنوية في أرقام جرائم الكراهية، إلى ضرورة معالجة المناخ الذي يسمح بتكرار الاعتداءات وتنامي المخاوف داخل الجاليات المسلمة.

وتبرز الحاجة إلى إجراءات متكاملة تشمل حماية دور العبادة، وتحسين الاستجابة للبلاغات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وتعزيز التوعية داخل المؤسسات التعليمية والإعلامية، مع ضمان تطبيق القانون بصورة عادلة على جميع الفئات.

كما يظل الخطاب السياسي والإعلامي أحد الملفات الأساسية في هذه المعادلة، خاصة مع تزايد تأثير النقاشات المتعلقة بالهجرة والصراعات الخارجية على العلاقات بين المكونات الدينية والعرقية.

وتكشف الأرقام الجديدة أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بحجم الاعتداءات، وإنما بقدرة الدولة والمجتمع على حماية حرية المعتقد ومنع تحول الاختلافات السياسية والثقافية إلى مبررات للتمييز والعنف.

وبين تصاعد جرائم الكراهية وتوسع برامج الحماية، يبقى الاختبار الحقيقي للسلطات البريطانية هو مدى قدرتها على الحد من الاعتداءات نفسها، لا الاكتفاء بتوفير الحراسة للمتضررين منها.

اترك تعليقا