تزايد استخدام اليوان الصيني في التمويل والتجارة العربية

مدفوعاً بتوسع العلاقات التجارية والمالية بين العرب والصين

يشهد الشرق الأوسط توسعاً في استخدام اليوان الصيني في التمويل والتجارة، مع تجارب في السعودية والإمارات ومصر، ودعم الصين لتدويل عملتها.

ويشق اليوان الصيني طريقه داخل المنظومة المالية العربية مدفوعاً بتوسع العلاقات التجارية والمالية بين الصين والدول العربية، وتزايد الحاجة إلى تنويع أدوات التمويل وتسوية العقود التجارية بعيداً عن الاعتماد الأحادي على الدولار.

تضاعفت حصة اليوان من التجارة العالمية ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين لتصل إلى 13%، وفق تقرير لـ”إس آند بي غلوبال”.

لكن هذا التقدم للعملة الصينية لا يلغي حقيقة أن الدولار الأميركي ما يزال يحتفظ بهامش أوسع من السيطرة.

ومع ذلك، يربط عدد من الخبراء هذا التوسع الصيني بنقلة أوسع في دور بكين العالمي.

ففي أواخر أكتوبر الماضي، قال بنك الشعب الصيني إن الصين ستعزز تدويل اليوان، وستوسّع استخدام عملة البلاد في التجارة، وستعمق انفتاح الأسواق المالية بشكل ثنائي ومنظم، كما ستعمل على تطوير سوق اليوان الخارجية بشكل أكبر. يمثل هذا البيان الصادر عقب احتماع مخصص لتنفيذ السياسات التي أُقرت خلال الجلسة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، تحولاً في النبرة مقارنة بالسنوات الأخيرة، إذ تخلى عن بعض العبارات التحفظية المعتادة.

وكما يوضح ماهر نقولا الفرزلي، المدير التنفيذي للمركز الأوروبي الآسيوي للدراسات الاستراتيجية، فإن استخدام اليوان عربياً “يتجاوز كونه تحركاً تكتيكياً قصير المدى، إذ يعبّر عن مسار استراتيجي أعمق يرتبط بصعود الصين كقوة اقتصادية موازية للولايات المتحدة”.

هذا الحراك لم يقتصر على التبادلات التقليدية، بل شمل أيضاً البنية التحتية الرقمية والمالية. في أكتوبر 2024، انضمت السعودية إلى تجربة دولية تقودها الصين لاستخدام “اليوان الرقمي” في المدفوعات عبر الحدود، في خطوة انصبت على تعزيز الترابط في البنية التحتية المالية العالمية وتسهيل التسويات العابرة للحدود، وفق ما نشرته صحيفة “عرب نيوز” حينها. كما افتتح “بنك أوف تشاينا” فرعه في الرياض في سبتمبر 2023 بهدف تسهيل المعاملات بالعملة الصينية في المنطقة.

كما أعلن بنك الشعب الصيني والبنك المركزي السعودي في نوفمبر 2023 توقيع اتفاقية لمبادلة العملات المحلية بقيمة 50 مليار يوان (6.93 مليار دولار) لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد باتفاق الطرفين، وفقاً لما ذكره بيان رسمي حينها.

وقال البيان إن “الاتفاق سيسهم في تعزيز التعاون المالي، وتوسيع استخدام العملات المحلي ودعم التجارة والاستثمار” بين الرياض وبكين.

أما مصر، فق وقعت مذكرة تفاهم مع الصين تشمل التعاون في العملات الرقمية وربط أنظمة المدفوعات، وسمحت الحكومة المصرية للشركات الصينية باستخدام اليوان في تعاملاتها المحلية وفتح حسابات مصرفية داخل مصر بالعملة الصينية، بهدف تشجيع الاستثمارات الصينية، بحسب وكالة “شينخوا”.

وفي أواخر مايو الماضي، استضاف الرئيس الصيني شي جين بينغ مجموعة من زعماء الدول العربية سعياً إلى إرساء علاقات أكثر عمقاً في منطقة تنفذ فيها الصين الكثير من الأعمال، وتمارس الدبلوماسية بشكل متزايد أيضاً.

كما برز استخدام اليوان في قطاع الطاقة أيضاً خلال 2023، إذ جرت أول صفقة غاز طبيعي مسال مقوّمة باليوان بين “سينوك” و”توتال إنرجيز” لشراء شحنة من الإمارات في مارس من ذلك العام.

في أواخر أكتوبر المنصرم، أعلن نائب محافظ بنك الشعب الصيني، شوان تشانغنينغ، عن تعيين بنك الشعب الصيني مصرفاً ثانياً لتسوية معاملات اليوان في دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تشير إلى تعميق التعاون المالي بين البلدين ومواصلة مساعي بكين نحو تدويل عملتها. فقد أصبح “بنك أبوظبي الأول” ثاني مصرف لتسوية اليوان في البلد العربي، بعد فرع “البنك الزراعي الصيني” في دبي الذي تم تعيينه في هذا الدور عام 2026.

والجدير بالذكر أن تسوية المعاملات العابرة للحدود باليوان بين الصين والإمارات قد بلغت 864 مليار يوان (121.2 مليار دولار) خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بزيادة 20% عن الفترة المقابلة من العام الفائت، وفق تصريحات شوان. كما جدد البلدان في نوفمبر 2023 اتفاقية مبادلة عملات ثنائية بقيمة 35 مليار يوان.

لم يقتصر التوسع في استخدام اليوان على التسويات التجارية فقط، بل امتد إلى أدوات الدين، حيث شهدت المنطقة نمواً ملحوظاً في إطار السندات المقومة بالعملة الصينية، خاصة في ما يعرف بـ”سندات الباندا”.

ففي الإمارات، أدرج بنك “الإمارات دبي الوطني” خلال أكتوبر 2025 سندات بقيمة مليار يوان (2.4% عائد سنوي) في “ناسداك دبي”، ضمن برنامج سندات بقيمة 20 مليار دولار، ما يفتح الباب أمام المستثمرين الآسيويين.

وخلال أكتوبر الماضي، حصلت دائرة المالية في حكومة الشارقة على أول قرض مجمّع مقوّم باليوان بقيمة 400 مليون دولار تقريباً، وبفائدة 2.6%.

هذا التوجه الإقليمي نحو اليوان تزامن مع طفرة في الإقراض من البنوك الآسيوية، حيث جمع المقترضون في الشرق الأوسط نحو 12 مليار دولار من القروض المجمعة من بنوك في منطقة آسيا والمحيط الهادئ منذ بداية 2025، وهو مستوى قياسي ويقارب ثلاثة أضعاف ما جرى جمعه خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات بلومبرغ التي ترصد حجم الإصدارات منذ 1999.

وكانت أحدث صفقة من “بنك الرياض”، أحد أكبر المصارف السعودية، الذي أُعلن اليوم حصوله على قرض مجمع بقيمة 1.5 مليار دولار جاء معظمه من مصارف في منطقة البر الرئيسي للصين. كما اقترض البنك “السعودي الفرنسي” مليار دولار من بنوك آسيوية في يوليو الماضي، وسط إقبال سعودي إماراتي بشكل خاص على الاستفادة من السيولة الآسيوية، حيث تواصل اقتصادات المنطقة تنفيذ خطط توسع ذات ميزانيات ضخمة وتسعى لتنويع مصادر التمويل، وفق بلومبرغ.

وفي السياق ذاته، أعلن المغرب في 13 نوفمبر الجاري عن خطط للتوجه للسوق الآسيوية للاستدانة عبر طرح سندات لتنويع مصاد التمويل والاستفادة من ظروف التمويل المناسبة هناك، وفق تصريحات محمد طارق بشير، مدير الخزينة والمالية الخارجية بوزارة الاقتصاد والمالية، خلال مؤتمر بالرباط.

وهذا يعكس تحولاً تدريجياً نحو التمويل الآسيوي الأقل كلفة، خاصة في ظل الفجوة المتزايدة بين أسعار الفائدة في سوق المال الصينية ونظيراتها الأميركية بين عامي 2022 و2025.