تركيا والدول الناطقة بالتركية في ميزان التسويات الإقليمية

الممر الأوسط والتوازنات الدقيقة والمكاسب البراغماتية

تقف أنقرة والدول الناطقة بالتركية في مفترق طرق معقد مع تلويح إمكانية التوصل لاتفاق أمريكي إيراني أو نهاية لجولات التصعيد العسكري.

ويتميز الموقف التركي بتناقض ظاهر بين الخطاب السياسي والإعلامي شديد اللهجة، والممارسة البراغماتية على الأرض.

أولاً: تركيا.. مكاسب اقتصادية وبراغماتية خلف الخطاب الحاد

يشير تقرير صادر عن مؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركية (سيتا) إلى أن أنقرة تسعى وراء أي اتفاق يوقف نزيف الاقتصاد التركي. الحرب في الشرق الأوسط وتوتر العلاقات مع إيران أو إسرائيل يكلفان تركيا مليارات الدولارات.
لذلك، فإن إنهاء الحرب يعني استقرار أسعار الطاقة، وفتح آفاق جديدة لتركيا لتثبيت نفسها كمركز إقليمي لتداول الطاقة (Energy Hub).

وفيما يتعلق بالمواجهة مع إيران، تستبعد التحليلات أي صدام عسكري أو سياسي مباشر. العلاقة بين أنقرة وطهران هي علاقة تنافس بارد (Cold Rivalry). تركيا تعارض الهيمنة الإيرانية في المشرق العربي، لكنها في نفس الوقت تحتاج لإيران كجوار آمن وكشريك تجاري لتجاوز العقوبات الغربية.

اتفاق أمريكي إيراني من شأنه أن يجمد الصراع ويمنع الحرب الشاملة هو السيناريو المثالي لأنقرة، لأنه يمنع إيران من الانهيار (مما قد يخلق فوضى على الحدود التركية) وفي نفس الوقت يكبح جماح التوسع الإيراني المفرط.

ثانياً: الملف الإسرائيلي.. هل تصل الأمور للمواجهة؟

رغم التصريحات النارية للرئيس رجب طيب أردوغان، والتي وصل فيها حد تشبيه نتنياهو بالنازية وإطلاق أقسى الألفاظ ضده، وتعليق التجارة مع إسرائيل تضامناً مع غزة ولبنان، إلا أن مراكز أبحاث مثل برنامج تركيا في المجلس الأطلسي تؤكد أن المواجهة العسكرية بين تركيا وإسرائيل مستحيلة.

تركيا عضو في حلف الناتو، وأي صدام عسكري سيدمر علاقاتها مع الغرب.

المواجهة الحالية هي مواجهة سياسية وشعبية بامتياز. أردوغان يستخدم هذا الخطاب المتشدد لاستعادة زخمه في الشارع الإسلامي والعربي، ولتعزيز موقعه كزعيم إقليمي مدافع عن القضايا العادلة، خاصة بعد اعتراضه الشديد على العدوان على لبنان.
لكن في الكواليس، تشير التسريبات والتحليلات إلى أن أنقرة تبقي على قنوات استخباراتية ودبلوماسية هادئة مع تل أبيب لمنع انهيار العلاقات بشكل كامل، تحسباً لأي متغيرات مستقبلية في ميزان القوى الإقليمي.

ثالثاً: الدول الناطقة بالتركية وأذربيجان.. الممر الأوسط وتوازنات دقيقة

بالنسبة لدول آسيا الوسطى وأذربيجان، فإن الأولوية القصوى هي الاستقرار لضمان نجاح الممر الأوسط (Middle Corridor)، وهو طريق تجاري حيوي يربط آسيا بأوروبا عبر بحر قزوين والقوقاز وتركيا، ويتجنب المرور بروسيا أو إيران.

تحليلات مؤسسة جيمستاون تشير إلى أن أي اتفاق أمريكي إيراني يخفض التصعيد هو خبر سار لهذه الدول، لأنه يبعد شبح الحرب عن حدودها الجنوبية. ومع ذلك، تواجه دول مثل أذربيجان معضلة دقيقة؛ فهي تحافظ على علاقات استراتيجية وأمنية قوية مع إسرائيل (مصدر رئيسي لأسلحتها)، وفي نفس الوقت تشارك حدوداً طويلة وحساسة مع إيران.

إذا أدى الاتفاق الأمريكي الإيراني إلى تقليل حدة التوتر، فإن ذلك يريح باكو من الضغط الإيراني الذي هددتها سابقاً بسبب تعاونها مع تل أبيب. أما إذا فشلت الاتفاقات واستمر التصعيد، ستضطر الدول الناطقة بالتركية للعب على حبال التوازن الدقيق جداً، حيث ترفض أي انتهاك لسيادة دول الجوار (مثل إيران أو أرمينيا)، لكنها في نفس الوقت ترفض السماح لأي قوة إقليمية أخرى بالسيطرة على جنوب القوقاز.

ختاماً، تُظهر القراءات الواقعية أن الدول الإقليمية، سواء العربية أو التركية أو الناطقة بالتركية، تدرك أن الاتفاقات الكبرى بين واشنطن وطهران لن تكون مثالية، بل هي تسويات مؤلمة. لذلك، تتحرك هذه الدول بسياسة التحوط الاستراتيجي، مستفيدة من المكاسب الاقتصادية والأمنية للاتفاق، وفي نفس الوقت تحسب حساباتها جيداً لأي فراغ أمني أو سياسي قد تخلفه هذه التفاهمات

اترك تعليقا