تركيا.. حزب الشعب الجمهوري تعصف به الانقسامات
هل يواجه حزب أتاتورك خطر التفكيك ؟
- Ali Ahmed
- 4 يونيو، 2026
- اخبار العالم, الأحزاب, الترندات, تقارير
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, حزب الشعب الجمهوري
يمر حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وهو أقدم الأحزاب السياسية في تركيا وأكبر قوى المعارضة، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي، بواحدة من أخطر وأعقد الأزمات السياسية والقانونية في تاريخه الحديث.
ولم تعد المسألة تقتصر على صراع تقليدي على السلطة بين أجنحة الحزب، بل تحولت إلى مواجهة قضائية وسياسية مفتوحة تهدد بنيته التنظيمية ومستقبله السياسي، في توقيت تشهد فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية متزايدة تفتح الباب على مصراعيه لسيناريو الانتخابات المبكرة، قبل الموعد المقرّر في 2028.
انفجرت الأزمة الراهنة بعد صدور حكم قضائي غير مسبوق من المحاكم التركية يقضي ببطلان نتائج المؤتمر العام الـ38 للحزب المنعقد في أواخر عام 2023، الذي شهد الإطاحة بالزعيم السابق كمال كليجدار أوغلو وصعود الزعيم الحالي أوزغور أوزيل إلى سدة الرئاسة.
وترتب على الحكم إبطال شرعية رئاسة أوزيل واللجنة التنفيذية الحالية، والاعتراف بعودة كمال كليجدار أوغلو والمجلس القديم لإدارة الحزب بحكم قضائي.
وأفرز هذا الحكم حالة فريدة من “ازدواجية السلطة” داخل الحزب؛ إذ يرفض أوزيل وفريقه الاعتراف بشرعية التدخل القضائي في الإرادة الحزبية، بينما يتحرك كليجدار أوغلو مدعوماً بقرارات المحكمة لاستعادة مفاصل الحزب ومقره العام.
صراع مفتوح بين أوزيل وكليجدار
انتقل الصراع من قاعات المحاكم إلى البرلمان والشوارع التركية، حيث تحدى أوزغور أوزيل قرار عزله قضائياً، وجمع كتلة الحزب البرلمانية، وألقى خطاباً لاذعاً انتقد فيه قرار المحكمة، الذي قال إنه لا يستهدف حزب الشعب الجمهوري فحسب، بل يمثل تدخلاً في الديمقراطية وإرادة الناخبين، وشدد على ضرورة “مقاومة الهجوم الذي يستهدف مستقبل الحزب والبلاد”.
ووجّه أوزيل في خطابه انتقادات حادة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومته، معتبراً أن الإجراءات القضائية الموجهة ضد الحزب ذات دوافع سياسية، واصفاً إياها بأنها محاولة للالتفاف على إرادة أعضاء الحزب.
وفي الوقت الذي كان أوزيل يوجه انتقاداته للقضاء وغريمه كليجدار أوغلو والرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الحاكم، كان كليجدار أوغلو العائد إلى زعامة حزب الشعب الجمهوري يعلن أعضاء لجنة الحزب التنفيذية الجديدة، مؤكداً تمسكه بتنفيذ قرار المحكمة، وتغيير جميع قيادات الحزب المؤيدين لأوزيل بقيادات جديدة مؤيدة له، سواء في مقر الحزب في أنقرة في فروع الحزب في جميع الولايات التركية.
تأثير الأزمة على الخارطة السياسية
تضع هذه الأزمة المُركّبة قانونياً وسياسياً حزب الشعب الجمهوري أمام 3 سيناريوهات رئيسة:
1. الانشقاق والتفكك: إذا فشلت مساعي أوزغور أوزيل في عقد مؤتمر عام طارئ، وإذا أصرّ جناح كليجدار أوغلو على فرض قيادته بقوة القانون، قد ينزلق الحزب إلى انشقاق رسمي، يتبعه تأسيس حزب جديد يضم الجناح التجديدي (أنصار أوزيل وإمام أوغلو)، مما يعني نهاية الحزب التاريخي بصيغته الحالية.
ولم يستبعد أوزيل وقوع هذا السيناريو رداً على سؤال للصحافة عما إذا كان سيتم تأسيس حزب جديد أم لا، قائلاً إن ذلك أمر وارد. وأكد أنه يجب إيجاد حزب جديد، يكون بديلاً جاهزاً لاستخدامه في أسوأ السيناريوهات، وحالياً ليس لدى جناحه قرار أو عزم على ترك حزب الشعب الجمهوري، ولكنهم سيكونون جاهزين لمواجهة أي احتمالات واردة.
2. الحسم عبر المؤتمر الطارئ: نجاح أوزيل في جمع التوقيعات الكافية وعقد المؤتمر العام مجدداً وتجديد شرعيته الشعبية داخل الحزب، وهو سيناريو سيواجه حتماً بعراقيل قانونية جديدة من الجناح الخصم.
3. الاستثمار الحكومي والانتخابات المبكرة: تزامناً مع الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها تركيا، فإن إضعاف حزب المعارضة الرئيس وتفكيك كوادره قد يدفع السلطة الحاكمة إلى اقتناص الفرصة والدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، مستغلة غياب قيادات المعارضة القوية وانشغال الحزب بصراعاته الداخلية.
ويرى المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان في حديثه لـ”الشرق”، أن ما يجري في أروقة حزب الشعب سيكون سبباً في انقسام أنصار الحزب بين مؤيد ومعارض لهذه الجبهة، وربما إذا ما أجريت أي انتخابات مبكرة سيكون الرابح الأكبر هو حزب العدالة والتنمية الحاكم.
تفكيك المعارضة
لا يمكن قراءة أزمة حزب الشعب الجمهوري بمعزل عن سياق أوسع، يتسم بضغوط قضائية وأمنية عنيفة تعرضت لها المعارضة التركية مؤخراً، والتي يرى مراقبون أنها تهدف إلى تحجيم قوتها وإفراغها من قيادات الصف الأول.
وتلقت المعارضة الضربة الأقوى عبر ملاحقة وسجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو؛ على خلفية قضايا متعددة شملت اتهامات بالفساد، وإلغاء شهادته الجامعية من قِبل جامعة إسطنبول، وصولاً إلى توجيه اتهامات ثقيلة له تصل إلى “إدارة تنظيم” و”التجسس”، وهي خطوة أقصته عملياً، حتى الآن، عن المشهد التنفيذي والسياسي المباشر عبر عزله وتعيين بدلاء لإدارة البلدية.
ووجّه إمام أوغلو من داخل محبسه انتقادات لاذعة لعودة كليجدار أوغلو.
حزب قديم.. يواجه الانقسامات
ورداً على سؤال لـ”الشرق بلومبرج” حول ما إن كان الانقسام داخل حزب الشعب الجمهوري قد يؤدي إلى تفكيكه؟ قال عضو الحزب أشرف أكار، إن تاريخ الحزب الذي يمتد لأكثر من 100 عام قد شهد صراعات مماثلة، وعادة ما كانت نهاية تلك الصراعات ولادة أحزاب جديدة، ولكن الحزب لم يتأثر بها كثيراً، ومضى في طريقه إلى يومنا، محافظاً على مكانته التاريخية كأول وأقدم حزب سياسي تركي.
وأشار المحلل السياسي مصطفى أوزجان إلى أن الشعب الجمهوري باعتباره حزباً فصائلياً يضم تيارات متعددة، متناقضة في توجهاتها أحياناً، كان دائماً ميدان صراع لتلك التيارات، مما أدى إلى انبثاق أحزاب جديدة عنه؛ كما حدث أول مرة في منتصف القرن الماضي حين انشق رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس ورفاقه، وأسسوا الحزب الديمقراطي، ثم توالت الانشقاقات بين الفينة والأخرى، وشهدت ولادة أحزاب كحزب اليسار الديمقراطي وحزب الشعب الديمقراطي الاجتماعي.
ولفت أوزجان إلى أن أوزغور أوزيل يحاول تقليد رئيس الوزراء الأسبق بولنت أجاويد، الذي انشق عن حزب الشعب الجمهوري، وأسس حزب اليسار الديمقراطي في منتصف العقد الثامن من القرن الماضي.
وأعربت الأحزاب السياسية عن قلقها لما يشهده حزب الشعب الجمهوري من صراع داخلي على زعامة الحزب، حيث قال زعيم حزب الحركة القومي دولت باهتشلي، إن ما يعيشه حزب الشعب، ويشهده من صراع لا يليق بهذا الحزب، وأننا نشهد محاولة لخلق انطباع بوجود حزب شعب منقسم على نفسه.
واستنكر حزب المساواة والديمقراطية للشعوب التركي المؤيد للأكراد، الاثنين، حكم محكمة بعزل رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزال.
أما زعيم حزب الجيد مساوات درويش أوغلو، فقد انتقد تدخل القضاء، قائلاً إن هناك محاولات لتحويل الجمهورية التركية إلى جمهورية وصاة، في إشارة إلى البلديات التي انتزعت قضائياً من حزب الشعب الجمهوري وتعيين وصاة (قيوم وفق التعبير التركي) من قبل وزارة الداخلية، معتبراً حكم المحكمة تدخلاً سافراً في السياسة والديمقراطية وإرادة الشعب.
وانتقد زعيم الحزب المشارك لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، تونجر بكيرهان، تدخل قوات الأمن في إخلاء مقر حزب الشعب الجمهوري من قيادات الحزب الذين عزلهم القضاء، وقال إن قوات الأمن التي توجهت إلى حزب الشعب الجمهوري، ستتوجه غداً إلى حزب الحركة القومي، وبعد غد يمكن أن تذهب إلى حزب العدالة والتنمية وغيرها.
وفي كلمته التي ألقاها أمام كتلة حزبه البرلمانية، أكد تونجر أن تركيا تمر بأزمة سياسية حادة إلى جانب الأزمة الاقتصادية، رافضاً تدخل القضاء في الأزمات السياسية التي تشهدها الأحزاب السياسية.
*المصدر: الشرق بلومبرج