ترامب علي حافة الهاوية صرخة عجز أم مناورة انسحاب
عدنان الروسان يكتب
- dr-naga
- 19 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- الشرق الأوسط, انسحاب, ترامب, حافة الهاوية, طهران, عدنان الروسان, مناورة
سيناريو “الألم المتبادل”: هل تفجر طهران الشرق الأوسط
“الجيوش العظمى لا تُهزم دائماً بنيران أعدائها، بل أحياناً بـ ‘عجز قوتها’. هذا هو المأزق الذي تواجهه واشنطن اليوم في الشرق الأوسط…
“المنطقة قد تنزلق إلى صراع أوسع نطاقاً إذا لم يتم ردع إيران”؛ هذا التصريح الحرفي الصادر عن الرئيس الأمريكي يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز مجرد التحذير التقليدي. إنه يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل نحن أمام إدارة تعاني من إحباط إستراتيجي، وتفتقر إلى رؤية واضحة لإدارة الصراع وأهداف محددة لإنهاء التصعيد؟
إن هذا التصريح المثير للجدل يثير حزمة من الأسئلة حول هوية المستهدف بالرسالة، وطبيعة التهديد، والنطاق الجغرافي المقصود بـ “الصراع الأوسع”. ورغم غموض العبارات، إلا أنها تعكس مزيجاً من الشعور بالعجز الإستراتيجي، والاضطرار إلى ممارسة “التوسل السياسي”. فالرئيس الأمريكي، في واقع الأمر، يبحث عن وسيط دولي أو إقليمي يملك القدرة على كبح جماح طهران، ملوحاً ببديل وحيد وهو “توسيع رقعة الحرب”، وهي مقامرة غير مضمونة النتائج.
القوة الصلبة في مواجهة بيئة معقدة
لا يختلف اثنان على حجم القوة العسكرية الغاشمة للولايات المتحدة، وهي حقيقة تدركها إيران ومحيطها الإقليمي والدولي. ومع ذلك، ثمة محددات ومعطيات جيوسياسية تُكبّل واشنطن وتمنعها من استخدام هذه القوة المفرطة ضد طهران. ويمكن تشبيه الوجود الأمريكي في منطقة الخليج بـ “فيل في غرفة من الكريستال”؛ حيث إن أي تحرك عسكري غير محسوب بدقة سيؤدي إلى تدمير المصالح الحيوية للجميع.
وفي هذا السياق، يبدو أن التهديدات الأمريكية المبطنة موجهة بالأساس إلى القوى الإقليمية والدولية (كدول الخليج، تركيا، باكستان، والصين). تهدف واشنطن من ذلك إلى دفع هذه الأطراف، مجتمعة أو منفردة، للتدخل الدبلوماسي لإقناع إيران بمنح الإدارة الأمريكية “صورة نصر” أو تهدئة مؤقتة؛ تتيح لها سحب أو إعادة تموضع قواتها المستنزفة، خاصة مع اقتراب استحقاق الانتخابات النصفية التي تفرض ضغوطاً سياسية هائلة داخل الداخل الأمريكي.
حافة الهاوية وتآكل مصداقية التهديد
لقد وصل المشهد الراهن إلى مرحلة من الركود الإستراتيجي الممل بالنسبة لأوروبا، وحلف الناتو، والمجتمع الدولي. فالوعود المتكررة والتهديدات المستمرة منذ خمسة أشهر باتت فاقدة للمصداقية والتأثير، ولم تعد تشكل رادعاً حقيقياً لطهران التي تقابلها بتصعيد تدريجي مدروس.
وفي هذا الإطار، شكّل مقتل الجنود الأمريكيين مؤخراً صفعة سياسية قاسية للإدارة الأمريكية. ورغم أن هذا الحادث لن يكسر هيبة القوة العظمى عسكرياً، إلا أنه يمثل مؤشراً قاطعاً على فشل “إستراتيجية الإقناع بالنار”، وأن خيار إخضاع إيران عبر القوة العسكرية المباشرة لم يعد خياراً واقعياً أو مضمون العواقب.
رغم المعاناة الاقتصادية والسياسية التي تواجهها إيران جراء العقوبات والضغط العسكري، إلا أن خياراتها الإستراتيجية واضحة؛ وهي تبني عقيدة الدفاع عن النفس والتلويح بقطع شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز. وتخشى الولايات المتحدة من الانزلاق إلى حرب شاملة ومدمرة خوفاً على أصولها العسكرية والاقتصادية في المنطقة، وحرصاً على أمن حلفائها، لاسيما إسرائيل التي قد تواجه ضربات انتقامية تفوق قدرتها الجسدية واللوجستية على التحمل.
ويبدو أن القيادة السياسية والعسكرية في طهران قد وضعت “السيناريو الأسوأ” ووافقت عليه؛ وهو سيناريو يفترض تعرض البنية التحتية الإيرانية (من طاقة ومياه وكهرباء) لدمار واسع، لكن في المقابل، سيكون الثمن تدمير البنى التحتية الحيوية لإسرائيل والقواعد والأصول المحيطة بها. هذا التوازن في التدمير المتبادل هو ما يفسر قلق الرئيس الأمريكي من “انزلاق الحرب إلى صراع أوسع”.
السيناريوهات المستقبلية: الفوضى أم الانسحاب؟
تتواتر التقارير الاستخباراتية والتحليلات الغربية حول فرضية عسكرية وُصفت بالجنونية، وتتمثل في إمكانية قيام إيران وحلفائها بإمطار إسرائيل بآلاف الصواريخ والمسيرات دفعة واحدة. هذا التكتيك يهدف إلى إغراق وشل منظومات الدفاع الجوي، وإرباك مراكز السيطرة والتحكم وصنع القرار. وإذا ما تحقق هذا السيناريو، فإنه قد يفجر موجة تعاطف شعبي عربي وإسلامي غير مسبوقة، مما يمهد لربيع عربي جديد واضطرابات إقليمية يصعب احتواؤها.
إننا نقف اليوم أمام مسارين لا ثالث لهما بعد التصعيد الأخير:
مسار استمرار قواعد الاشتباك التقليدية: حيث تواصل أمريكا ضرباتها الموضعية المعتادة، وتتابع إيران ردودها المحسوبة، وهو ما يحافظ على حالة الاستنزاف المتبادل.
مسار الانفجار الشامل للمنطقة: وهو الصراع الذي لا يملك فيه أي طرف القدرة على الحسم العسكري المطلق. ومع ذلك، تميل الكفة الإستراتيجية لصالح إيران كونها تحارب في عمقها الجغرافي والحيوي، بينما يخوض الجنود الأمريكيون حرباً على بعد آلاف الكيلومترات من وطنهم.
في نهاية المطاف، يواجه الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط خطر “الأفغنة” أو “الفيتنامية” (حرب استنزاف لا تنتهي)، أو الاضطرار إلى انسحاب إستراتيجي غير مشرف، في وقت تراقب فيه موسكو وبكين المشهد بابتسامة عريضة، مستفيدتين من تآكل الهيبة الأمريكية الغربية على مسرح الأحداث العالمي.
#الردع_الأمريكي #إيران #الشرق_الأوسط #مأزق_الكريستال #ترامب #السياسة_الأمريكية #مضيق_هرمز #جيوسياسية #الأمن_الإقليمي #التحليل_السياسي #صراع_القوى #حافة_الهاوية
