تحليل| عسكرة المياه في حروب الشرق الأوسط

تعرضت العديد من مرافق المياه لاضطرابات مباشرة

شهد الشرق الأوسط، على مدى سنوات، تصاعداً في التوترات الجيوسياسية التي أثرت بشكل مباشر على استقراره الاقتصادي وبنيته التحتية الحيوية، لا سيما في قطاعات الطاقة والمياه والنقل.

مع اندلاع التصعيد العسكري في أواخر فبراير 2026 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، اتخذ الصراع طابعاً أكثر تعقيداً، إذ تجاوز الأطر العسكرية التقليدية ليشمل استهداف البنية التحتية الاستراتيجية في جميع أنحاء المنطقة.

امتدت العمليات العسكرية لتشمل منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية الحيوية، ولا سيما مضيق هرمز، مما وسّع نطاق التداعيات الإقليمية وعمّق حالة عدم الاستقرار. وفي هذا السياق المتغير، برزت ظاهرة “عسكرة المياه” كبعد جديد هام للصراع، حيث أصبحت موارد المياه والبنية التحتية المرتبطة بها هدفاً للاستهداف والتهديد.

تشير التقارير إلى تعرض مرافق المياه لاضطرابات مباشرة وغير مباشرة، بما في ذلك تعطل محطة تحلية مياه في جزيرة قشم الإيرانية، بالإضافة إلى حوادث أخرى طالت مرافق في عدة دول خليجية. وتكمن خطورة هذه التطورات في اعتماد دول الخليج الكبير على تحلية مياه البحر، التي توفر ما بين 70 و90 بالمئة من احتياجاتها المائية.

وهذا يجعل هذه المنشآت نقاط ضعف استراتيجية بالغة الحساسية. وبناءً على ذلك، تثير الحرب الحالية تساؤلات جوهرية حول تحوّل المياه من مورد تنموي إلى أداة في ديناميكيات القوة، وتستدعي دراسة تداعيات هذا التحوّل على الأمن المائي واستقرار الأنظمة الحيوية في المنطقة، فضلاً عن استباق سيناريوهات التصعيد المحتملة في ظل التوترات المستمرة.

ظهر مفهوم عسكرة المياه، أو تسخير المياه كسلاح، في تسعينيات القرن الماضي لوصف استخدام موارد المياه أو البنية التحتية المرتبطة بها كأدوات في النزاعات المسلحة. ويشير هذا المفهوم إلى استخدام المياه لإلحاق الضرر بالخصم أو لتحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية.

قد تتخذ هذه العسكرة عدة أشكال، بما في ذلك قطع إمدادات المياه عن السكان المدنيين أو القوات المعارضة، وتدمير البنية التحتية للمياه مثل السدود ومحطات المعالجة ومرافق تحلية المياه، وإغراق المناطق عن طريق تدمير السدود، أو تلويث مصادر المياه وتعطيل تشغيلها.

في جوهرها، تعكس عسكرة المياه تحولاً تنتقل فيه المياه من كونها مورداً بيئياً أو إنسانياً إلى عنصر استراتيجي في الصراع، إما كهدف مباشر أو كأداة للضغط والتأثير.

يتجلى هذا بوضوح في التعامل مع البنية التحتية للمياه، كالسدود ومحطات تحلية المياه وشبكات النقل، باعتبارها أهدافًا عسكرية يمكن استهدافها لتعطيل قدرات الخصم، فضلًا عن استخدام السيطرة على تدفقات المياه كوسيلة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. وقد تصبح المياه ساحة صراع بحد ذاتها، حيث تصبح السيطرة على مواردها، أو ضمان الوصول إليها، جزءًا من العقيدة العسكرية للدول.

يرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بمرحلة سابقة تُعرف بتأمين المياه أو تسييسها، حيث تُنقل المياه من مجال التنمية إلى مجال الأمن القومي. ويبرر هذا التحول استخدام أدوات القوة لحماية موارد المياه أو ضمان الوصول إليها.

وبهذا المعنى، فإن عسكرة المياه تدمج أبعاداً متعددة: الاستهداف المباشر، والاستخدام الاستراتيجي، وإدراج المياه في حسابات أوسع للقوة والنفوذ في العلاقات الدولية.

ساهمت التطورات الدولية الأخيرة في إحياء هذا المفهوم، لا سيما مع تزايد استهداف البنية التحتية للمياه وتنامي الضغوط المرتبطة بتغير المناخ. وقد تحول تغير المناخ من قضية بيئية إلى محرك جيوسياسي رئيسي، نتيجة لتفاقم ندرة المياه، واضطراب أنماط هطول الأمطار، وتزايد الجفاف، إلى جانب ازدياد الهجرة المناخية، مما يضع ضغطاً إضافياً على موارد المياه ويحولها إلى مسألة أمن قومي.

في الوقت نفسه، شهدت النزاعات المعاصرة زيادة ملحوظة في استهداف مرافق المياه، مما يعكس تحولاً نحو دمج البنية التحتية للمياه ضمن الأهداف العسكرية. كما برز البُعد السيبراني كجانب رئيسي في عسكرة المياه، إذ تعتمد شبكات المياه الحديثة على أنظمة رقمية عرضة للاختراق، مما قد يؤدي إلى تعطيل خدمات المياه دون تدمير مادي مباشر.

يتعزز هذا التوجه بفعل الترابط المتزايد بين أمن المياه والطاقة، لا سيما في الشرق الأوسط، حيث تعتمد إمدادات المياه بشكل كبير على الطاقة من خلال تحلية المياه. ونتيجة لذلك، فإن استهداف منشآت النفط والغاز لا يؤثر على قطاع الطاقة فحسب، بل يعطل أيضاً إمدادات المياه، مما يعكس تداخلاً هيكلياً بين القطاعين ويزيد من هشاشة البنية التحتية الحيوية أثناء النزاعات.

يمثل الشرق الأوسط حالة عالمية فريدة من نوعها في ندرة المياه، نتيجة لتضافر عوامل جغرافية ومناخية وديموغرافية وسياسية. هذه العوامل تجعل المنطقة عرضة بشكل خاص لتحويل المياه إلى أداة للصراع والعسكرة.

لا تمتلك المنطقة سوى حوالي 2% من موارد المياه العذبة العالمية، على الرغم من الكثافة السكانية العالية والضغوط الناجمة عن النزوح والهجرة، مما يخلق فجوة هيكلية مستمرة بين الموارد المتاحة والطلب المتزايد. ويتأثر ما يقرب من 83% من أراضي المنطقة بإجهاد مائي حاد، وتشير التوقعات إلى أن جميع السكان تقريبًا سيواجهون ندرة حادة في المياه بحلول عام 2050. وهذا يؤكد أن الأزمة ليست مؤقتة، بل هي واقع هيكلي.

يقلّ نصيب الفرد من المياه في دول الشرق الأوسط بشكل ملحوظ عن الحدّ العالمي البالغ 1000 متر مكعب سنوياً. ففي دول الخليج، يتراوح هذا النصيب بين 80 و150 متراً مكعباً سنوياً، بينما تنخفض دول مثل الأردن والسعودية وقطر إلى ما دون مستوى الندرة المطلقة، حيث يقلّ نصيب الفرد فيها عن 100 متر مكعب سنوياً. أما المنطقة ككل، فتبقى دون مستوى الندرة الشديدة.

مناخياً، يقع الشرق الأوسط ضمن نطاق المناطق القاحلة وشبه القاحلة، حيث يتميز بانخفاض معدل هطول الأمطار وارتفاع معدل التبخر. ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى انخفاض هطول الأمطار بنسبة تتراوح بين 5 و20 بالمئة، مع ارتفاع درجات الحرارة، مما سيزيد من حدة الجفاف ويهدد استدامة الموارد المائية. وقد تنخفض موارد المياه العذبة بنسبة تتراوح بين 15 و45 بالمئة بحلول عام 2050، مما سيحول الجفاف إلى نمط مناخي مستمر ويزيد الضغط على الموارد المحدودة.

يمثل الاعتماد على موارد المياه العابرة للحدود أحد أخطر مصادر الهشاشة الجيوسياسية في المنطقة. إذ يأتي نحو 60% من إمدادات المياه من خارج الحدود الوطنية، وهي أعلى نسبة على مستوى العالم. وفي بعض الحالات، كمصر والبحرين، يتجاوز الاعتماد على المصادر الخارجية 96%، ما يجعل المياه مورداً سيادياً عابراً للحدود، ويحوّل الأنهار الدولية إلى أدوات للتأثير الجيوسياسي.

يمثل تحلية المياه حلاً بالغ الأهمية لمشكلة ندرة المياه، ولكنه يُسبب أيضاً نقاط ضعف هيكلية. يستحوذ الشرق الأوسط على ما يقارب 41.8% من طاقة التحلية العالمية، وتعتمد بعض دول الخليج عليها لتلبية ما يصل إلى 90% من احتياجاتها المائية. مع ذلك، تتركز محطات التحلية على طول السواحل وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبنية التحتية للطاقة، مما يجعلها عرضة للاضطرابات أثناء النزاعات.

تمثل إسرائيل حالة من الندرة الطبيعية التي يتم تعويضها بالقدرات التكنولوجية، حيث توفر تحلية المياه ومعالجتها غالبية مياه الشرب. إلا أن هذا الاعتماد يتركز البنية التحتية في المناطق الساحلية، مما يزيد من هشاشتها أثناء النزاعات. في المقابل، تعتمد إيران بشكل أساسي على موارد المياه السطحية والجوفية، مع اعتماد محدود على تحلية المياه. وقد أضعف نظامها المائي انخفاض الاحتياطيات وسوء الإدارة، مما يجعله عرضة للخطر الشديد في ظل ظروف الحرب الحالية.

تشير التطورات في النزاع الدائر إلى تحول نوعي، إذ أصبحت البنية التحتية للمياه هدفًا عسكريًا فعليًا. وتفيد التقارير باستهداف محطة تحلية مياه في البحرين بهجوم بطائرة مسيرة، إلى جانب تعطيل محطة تحلية مياه أخرى في جزيرة قشم، مما أثر على إمدادات المياه لنحو 30 قرية. كما استهدفت هجمات منشآت طاقة مرتبطة بأنظمة تحلية المياه في الكويت. وتؤكد هذه الحوادث أن المياه لم تعد بمنأى عن الصراع، بل أصبحت جزءًا من مسرح العمليات.

أبرزت الحرب الحالية أيضاً الهشاشة الاستراتيجية الناجمة عن الترابط بين المياه والطاقة. فالهجمات على البنية التحتية للطاقة قد تعطل إنتاج المياه بشكل غير مباشر، مما يعني أن استهداف المياه لم يعد يتطلب ضربات مباشرة، بل يمكن تحقيقه من خلال الهجمات على الأنظمة المتصلة.

في حالة إسرائيل، تمثل محطات تحلية المياه ومعالجتها أهدافاً استراتيجية بالغة الأهمية في أي سيناريو تصعيدي. ويزيد تركزها على طول الساحل من تعرضها للخطر، بينما تجعلها أهميتها أهدافاً ذات تأثير كبير ضمن استراتيجيات الردع غير التقليدية.

لم يقتصر الصراع الحالي على إحياء مفهوم عسكرة المياه فحسب، بل رسّخه أيضاً ضمن سياق أوسع للحرب الهجينة، حيث تتقاطع العمليات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية واستهداف البنية التحتية. حتى الهجمات المحدودة على محطات تحلية المياه قد تؤدي، في غضون أيام، إلى أزمات مياه في دول شديدة الاعتماد عليها، مع ما يترتب على ذلك من عواقب إنسانية وخيمة. وهذا يفتح الباب أمام تصعيد أوسع، تصبح فيه الموارد الحيوية أدوات للضغط المتبادل والردع.

تتعدد تداعيات هذا التحول. فعلى الصعيد الاستراتيجي، يُمكن للسيطرة على موارد المياه أن تؤثر على الاستقرار الداخلي وتُعيد تشكيل ديناميكيات القوة الإقليمية. أما على الصعيد الإنساني، فالعواقب لا تقل أهمية، إذ أن انقطاع أنظمة المياه يحرم السكان من الخدمات الأساسية ويُسرّع من وتيرة النزوح. وعلى الصعيد الاقتصادي، يؤثر نقص المياه على الإنتاجية والزراعة والاستثمار، بينما على الصعيد البيئي، قد تؤدي الهجمات على البنية التحتية إلى التلوث والتملح وأضرار بيئية طويلة الأمد.

بالنظر إلى المستقبل، يواجه الإقليم سيناريوهين رئيسيين. يتمثل السيناريو الأسوأ في توسع العمليات العسكرية المباشرة التي تستهدف البنية التحتية للمياه، مما يؤدي إلى انهيار شامل، وزيادة النزوح، وتصاعد حدة النزاعات الإقليمية والعابرة للحدود. أما السيناريو الأكثر استقراراً فيعتمد على وقف الأعمال العدائية، وتعزيز التعاون الإقليمي، ووضع أطر عمل تمنع استهداف البنية التحتية للمياه والطاقة.

في نهاية المطاف، سيعتمد المسار على قدرة الدول والمنظمات الدولية على تعزيز الأطر القانونية التي تحمي المياه كحق إنساني وسياسي، بدلاً من السماح لها بأن تصبح أداة للصراع.

وختاماً، يُمثل عسكرة المياه في الشرق الأوسط، في سياق الحرب الراهنة، مؤشراً استراتيجياً على تصاعد التوترات الإقليمية والمخاطر المستقبلية. ويؤكد ذلك أن المياه لم تعد مجرد قضية بيئية، بل عنصراً أساسياً للأمن القومي والاستقرار الإنساني على حد سواء.


أمل إسماعيل
باحث أول في المركز المصري للدراسات الاستراتيجية (ECSS)

كلمات مفتاحية: