تحالفات شرق المتوسط بين مطرقة “أثينا-تل أبيب” وسندان “تحالف مكة”

حوار د عصام عبد الشافي مع الاعلامي أسامة جاويش

تحالف “مصر-قبرص-اليونان” في ظل الظل الإسرائيلي، ومقارنته بـ “تحالف مكة”

شهد العامين الماضيين تبلوراً متسارعاً لتحالف “مصر-قبرص-اليونان”، والذي تطور من مجرد تنسيق حول ترسيم الحدود البحرية واستكشاف الغاز، إلى شراكة أمنية وعسكرية متكاملة. ويقف “الكيان الإسرائيلي” خلف هذا التحالف كضامن استخباراتي وأمني صامت، بينما تدعمه “الإمارات” سياسياً ومالياً، بهدف احتواء النفوذ التركي في شرق المتوسط.

في المقابل، برز ما يُعرف بـ “تحالف مكة” (بمشاركة محورية من المملكة العربية السعودية، تركيا، وباكستان، وإعلان رسمي في أغسطس 2026) كإطار جديد للأمن الإقليمي يهدف إلى المصالحات العربية-الإسلامية، وتصفير المشكلات، وصياغة أمن إقليمي مستقل.

 أبرز أوجه التعارض بين التحالفين: 
1.معضلة الاحتواء مقابل المصالحة:  يسعى تحالف شرق المتوسط بشكل غير مباشر إلى عزل تركيا واحتوائها، بينما يهدف “تحالف مكة” إلى دمج أنقرة في منظومة الأمن الإقليمي العربي وتطبيع العلاقات معها، مما يضع مصر في موقف ازدواجية خطير بين التزاماتها في الحوض الشرقي للبحر المتوسط وواجباتها تجاه الإجماع العربي.
2. الظل الإسرائيلي مقابل الغطاء العربي: الاعتماد على “إسرائيل” كعمود فقري أمني واستخباراتي في تحالف شرق المتوسط يتصادم مع الثوابت العربية والغطاء الشعبي الذي يمثله “تحالف مكة”، خاصة في ظل الحساسية المفرطة تجاه أي تطبيع أمني علني مع تل أبيب على حساب القضايا الإقليمية.
3. استقلالية القرار:  يندرج تحالف شرق المتوسط ضمن العمق الاستراتيجي الغربي (عبر اليونان وقبرص وإسرائيل)، بينما يسعى “محور مكة” إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي العربي وتقليل الاعتماد على الأجندة الخارجية.

أولاً: السياق الجيوسياسي للقمة الثلاثية وتبلور “المحور الموازي”

ليس مجرد قمة روتينية: أكد الدكتور عصام عبد الشافي (أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية) أن القمة المصرية-اليونانية-القبرصية ليست حدثاً معزولاً، بل هي نتيجة تراكم للسياسات والزيارات والتنسيق المشترك بين هذه الأطراف منذ عام 2013، بدعم خلفي من “إسرائيل” و”الإمارات”.
– ظهور تحالفين متوازيين: في ضوء الإعلان عن “تحالف مكة” (السعودية، تركيا، باكستان)، برز تيار موازٍ يشكل خطاً ممتداً من العلاقات يضم (قبرص، اليونان، مصر، إسرائيل، الإمارات)، مع دعم بعيد من الولايات المتحدة والهند، مما يقسم المشهد الإقليمي إلى محورين متنافسين.

ثانياً: إشكالية “التحالفين المتناقضين” واستقلالية القرار المصري
– منطق العلاقات الدولية:  أشار الضيف إلى أن تعدد التحالفات ليس مستحيلاً (فتركيا نفسها عضو في الناتو وتشارك في مناورات مع اليونان، وفي الوقت نفسه تتعاون مع روسيا وإيران ومنظمات إقليمية أخرى).
– فقدان البوصلة الاستراتيجية: انتقد الضيف افتقار النظام المصري الحالي للاستقلالية الكاملة في صنع السياسة الخارجية، معتبراً أن قراره “مرتهن” لأجندتي أبوظبي وتل أبيب. هذا الارتهان يعرقل بناء علاقات استراتيجية حقيقية مع تركيا، ويحول التعاون مع اليونان من مجرد شراكة متوسطية ضرورية إلى “مناكفة سياسية” مستمرة مع أنقرة، مما يرسل رسائل سلبية تعيق التقارب المصري-التركي.

ثالثاً: البراغماتية التركية وموقف أنقرة من التقارب المصري-اليوناني
الفصل بين الملفات: تتميز السياسة الخارجية التركية بالبراغماتية؛ فمثلاً، وقعت تركيا أكبر صفقة غاز في تاريخها مع إيران (بقيمة 45 مليار دولار) رغم التوترات العميقة بينهما في الملف السوري ودعم إيران لأرمينيا ضد حليفة تركيا (أذربيجان).
مصر كعمق استراتيجي: تؤكد تركيا حرصها الشديد على الحفاظ على علاقات قوية مع مصر والشعب المصري، باعتبارها عمقاً استراتيجياً لا غنى عنه في ملفات (شرق المتوسط، ليبيا، الخليج، القرن الأفريقي).
الخط الأحمر التركي:  تنظر أنقرة بحذر شديد واستياء لأي تقارب عربي-يوناني، وتعتبره استهدافاً مباشراً لمصالحها الأمنية، خاصة في ظل العلاقة الصراعية التاريخية بين تركيا واليونان.

رابعاً: الأهداف الخفية لإسرائيل واليونان وقبرص من هذا التحالف
الغطاء الاقتصادي (ملف الغاز): الظاهر من التحالف هو السعي لإنشاء شبكة لنقل الغاز من حقول شرق المتوسط (بما فيها الحقول الفلسطينية المحتلة) عبر قبرص واليونان إلى الاتحاد الأوروبي.
 الأهداف الاستراتيجية والعسكرية:
1. تحويل قبرص إلى “قاعدة ارتكاز عسكرية” إسرائيلية تشكل خنجراً في خاصرة تركيا.
2. منع تركيا من المطالبة بمناطقها الاقتصادية الخالصة (200 ميل بحري)، مستغلين عدم توقيع أنقرة على اتفاقية قانون البحار لعام 1982، والتي تعترف للجزر (مثل الجزر اليونانية المحيطة بتركيا) بمياه إقليمية واقتصادية.
3. دعم اليونان في صراعها مع تركيا، وضمان وجود عسكري أمريكي (الأسطول السادس) وبريطاني في المنطقة لتعزيز هذا المحور.

خامساً: سيناريوهات المستقبل.. هل ينهار “المعبد” على الجميع؟
–  الهشاشة المشتركة:  حذر الضيف من أن “المعبد قد ينهار على رؤوس الجميع”، بسبب الهشاشة الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها اليونان ومصر وقبرص، بالإضافة إلى العزلة الدولية والحصار المتزايد الذي تواجهه إسرائيل، والتحديات الإعلامية والسياسية الموجهة ضد الدور الإماراتي في المنطقة.
–  خطر الانقسام الحاد:  قد يتسارع الانقسام إلى تحالفين متصارعين؛ حيث تتصدر إسرائيل واليونان المشهد، جارتين وراءهما (بشكل غير إرادي أحياناً) مصر وقبرص، في مواجهة محور تقوده تركيا والسعودية.
– التحذير السعودي:  أشار التقرير إلى وجود تحفظات سعودية كبيرة على أداء وتوجهات النظام المصري الحالي، مما قد يدفع الرياض لتعزيز تحالف “مكة” كبديل استراتيجي يضمن استقرار المنطقة بعيداً عن المحاور المستفزة.

-تم تفريغ الحوار من منصة قناة مكملين

اترك تعليقا