تباين الموقف العربي بين النصرة والانصياع للاحتلالين في أفغانستان
تعكس هذه التحولات واقعًا سياسيًا معقدًا
- السيد التيجاني
- 3 فبراير، 2026
- تقارير
- أفغانستان, الاحتلال الأمريكي, الاحتلال السوفيتي, المقاومة الأفغانية
شهدت نهاية السبعينيات احتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وهو حدث اعتبرته الدول العربية انتهاكًا صارخًا لأراضي دولة مسلمة مستقلة. الموقف العربي الرسمي والشعبي كان متسقًا إلى حد كبير، واعتُبر الجهاد الأفغاني دفاعًا مشروعًا عن الأمة والمسلمين ضد القوة الأجنبية.
انتشرت حملات تبرع واسعة في المساجد والمؤسسات الخيرية لدعم اللاجئين والمقاومة الأفغانية، بينما غطت وسائل الإعلام العربية هذا التضامن بتقارير داعمة للمدنيين والمقاتلين على حد سواء. قدمت الدول العربية دعمًا سياسيًا في المحافل الدولية وسهلت وصول المساعدات الإنسانية واللوجستية ضمن إطار تحالف عالمي معارض للاتحاد السوفيتي.
يشير الصحفي والكاتب عبد الباري عطوان إلى أن الحرب السوفيتية في أفغانستان مثلت منعطفًا في الوعي العربي والإسلامي تجاه المقاومة المسلحة ضد القوى الأجنبية، وأن التضامن العربي في تلك المرحلة كان قائمًا على مزيج من القيم الدينية والسياسية، ما أعطى الموقف العربي مصداقية قوية على المستويين الرسمي والشعبي.
بعد الحرب الباردة: تغيّر السياق وانحسار الاهتمام
مع انسحاب الاتحاد السوفيتي عام 1989 وتفكك الدولة الروسية عام 1991، دخلت أفغانستان مرحلة من الفوضى والحروب الأهلية بين الفصائل المختلفة. على الصعيد العربي، بدأت الاهتمامات تتجه نحو قضايا إقليمية أخرى، مثل حرب الخليج 1990–1991، والتحولات السياسية الداخلية.
رغم ذلك، بقيت أفغانستان في وعي النخب العربية كرمز للمقاومة ضد الاحتلال الأجنبي، واستُخدمت هذه الذاكرة لاحقًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في مواقف سياسية متباينة. المرحلة شهدت ضعفًا نسبيًا في الدعم الرسمي والشعبي مقارنة بما حدث في الثمانينيات، ما أضعف قدرة العرب على ممارسة أي تأثير ملموس على الصراع الأفغاني.
الاحتلال الأمريكي: صمت رسمي وانحياز إعلامي
مع الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001 تغير المشهد العربي جذريًا. سيطرة الولايات المتحدة شبه المطلقة على السياسة الدولية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وصعود خطاب الحرب على الإرهاب فرضت على الدول العربية مواقف أقل استقلالية.
اتجهت المواقف الرسمية إلى الصمت أو الدعم غير المباشر للغزو الأمريكي، بينما جمدت بعض الدول أي مساعٍ شعبية لمساعدة أفغانستان. في كثير من الحالات، تبنت وسائل الإعلام العربية الرواية الأمريكية التي ربطت أفغانستان بالإرهاب ووصفت الاحتلال بـ”التحرير”، متجاهلة معاناة المدنيين ونتائج القصف العسكري.
يقول الكاتب الصحفي جمال خاشقجي إن التغير في الموقف العربي بين مرحلتي الاحتلال السوفيتي والأمريكي يعكس تحولات كبيرة في السياسة الخارجية العربية، من الاستقلالية في الثمانينيات إلى التبعية والتحالف مع القوى الكبرى بعد 2001، ما أثر على المصداقية الأخلاقية للخطاب العربي.
كشف هذا التحول ازدواجية واضحة في مفهوم السيادة، حيث كانت الدول العربية تدافع عن استقلالها ضد الاحتلال السوفيتي، بينما تبنت مواقف متناقضة مع الاحتلال الأمريكي، مما أثر على التضامن الشعبي العربي مع الشعب الأفغاني وأضعف الثقة بين الرأي العام والقرار الرسمي.
ما بعد الانسحاب الأمريكي: استحقاقات إنسانية واستراتيجية
انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021 أعاد طالبان إلى السلطة بسرعة، مما ترك البلاد في عزلة دولية وتدهور اقتصادي واجتماعي. الموقف العربي الرسمي ظل هامشيًا، بينما سلط الضوء على هشاشة التحالفات الدولية وغياب أي استراتيجية عربية واضحة للتعامل مع أفغانستان.
ترى سما سامر، أول نائبة لرئيس أفغانستان، أن العالم، بما فيه بعض الدول العربية، فقد الاهتمام بأفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي، ما أتاح للنظام القديم العودة دون ضغوط حقيقية لتحقيق الإصلاحات الحقوقية.
ويشير بعض المحللين في مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة القاهرة إلى أن ضعف الدور العربي يتيح لدول إقليمية مثل روسيا وإيران والصين التأثير على مستقبل أفغانستان بشكل أكبر، بينما يظل الموقف العربي الرسمي متأثرًا بالارتباط بالغرب.
هذا التراجع في الاهتمام الرسمي يبرز التناقض بين الخطاب الشعبي في الثمانينيات، الذي كان قائمًا على التضامن الأخلاقي، والخطاب الرسمي في القرن الحادي والعشرين، الذي يميل إلى حسابات المصالح والتحالفات الدولية.
النصرة والخذلان في الذاكرة العربية
مقارنة الموقف العربي بين الاحتلال السوفيتي والاحتلال الأمريكي تظهر تغيرًا جذريًا في كيفية تعامل العالم العربي مع قضايا الاحتلال والمقاومة. التضامن الشعبي والرسمي في الثمانينيات كان واضحًا، بينما في القرن الحادي والعشرين غلب الصمت الرسمي والانحياز للمصالح الاستراتيجية.
تعكس هذه التحولات واقعًا سياسيًا معقدًا، حيث تتقاطع القيم الأخلاقية مع المصالح الدولية، ويصبح التضامن مع شعوب تتعرض للاحتلال رهينة للتوازنات الكبرى. أفغانستان، بين النصرة والخذلان، تظل نموذجًا حيًا لتناقضات السياسة العربية الحديثة، وصورة واضحة لتأثير الهيمنة الدولية على المواقف الأخلاقية والسياسية.