بين الانفجار المؤجل والانهيار البطيء: هل تدخل إيران سيناريو «مادورو»؟

في ظل تدهور اقتصادي غير مسبوق

تشهد إيران منذ مطلع العام موجة احتجاجات شعبية متجددة، تُعد من الأوسع منذ سنوات، في ظل تدهور اقتصادي غير مسبوق، وارتفاع حاد في معدلات التضخم، وتراجع مستمر في قيمة العملة الوطنية.

هذه التطورات أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية تتعلق بقدرة النظام الإيراني على الصمود، وطبيعة الدور الخارجي المحتمل، واحتمالات التصعيد الإقليمي، فضلًا عن مستقبل الأقليات، وعلى رأسها أهل السنة، في حال حدوث تحول سياسي كبير.

أولًا: هل يواجه النظام خطر السقوط؟

تشير تحليلات متطابقة لوسائل إعلام دولية ومراكز دراسات إلى أن النظام الإيراني لا يقف على حافة السقوط الفوري، لكنه يمر بإحدى أكثر مراحله هشاشة منذ احتجاجات 2019 وما تلاها.

فبحسب تقارير وكالة رويترز وصحيفة فايننشال تايمز، فإن الاحتجاجات الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث اتساع قاعدتها الاجتماعية، إذ لم تعد مقتصرة على فئات شبابية أو مناطق مهمّشة، بل امتدت إلى تجار البازار، وموظفين في قطاعات حكومية، وشرائح من الطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا أقل ميلًا للمواجهة المباشرة مع السلطة.

في المقابل، تؤكد المصادر نفسها أن النظام لا يزال يحتفظ بأدوات قوة مركزية، أبرزها تماسك الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى شبكة مؤسسات الدولة العميقة التي تملك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والاحتجاجات.

ويرى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن النظام قد ينجح في احتواء الموجة الحالية أمنيًا، لكنه يواجه أزمة شرعية متراكمة يصعب تجاوزها دون إصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية، وهو ما لا تظهر القيادة استعدادًا حقيقيًا له حتى الآن.

ثانيًا: هل الاحتجاجات مدفوعة بتدخل خارجي؟

حتى اللحظة، لا توجد أدلة موثوقة تشير إلى أن الاحتجاجات صُنعت أو أُديرت من الخارج.

تقارير رويترز وصحيفة الغارديان تؤكد أن المحرك الأساسي هو الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية، وتآكل القدرة الشرائية، وفشل السياسات الاقتصادية في التخفيف من آثار العقوبات والفساد الداخلي.

مع ذلك، تتبنى القيادة الإيرانية خطابًا رسميًا يعتبر ما يجري جزءًا من “حرب ضغط” تقودها قوى غربية. وقد نقلت قناة الجزيرة تصريحات لمسؤولين إيرانيين يتهمون الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بتأجيج الشارع عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويرى محللون، نقلت عنهم فايننشال تايمز، أن هذا الخطاب يُستخدم أساسًا لتوحيد القاعدة المؤيدة للنظام، وتبرير التشدد الأمني، أكثر من كونه قائمًا على تدخل خارجي مباشر ومؤثر على الأرض.

ثالثًا: هل يفتعل النظام مواجهة خارجية للهروب من الأزمة؟

مع تصاعد التوتر الداخلي، يبرز تساؤل قديم-جديد حول احتمال لجوء النظام الإيراني إلى تصعيد خارجي لصرف الأنظار عن الأزمة الداخلية.

غير أن تقديرات فايننشال تايمز ومحللين عسكريين غربيين تشير إلى أن حربًا إقليمية واسعة، سواء مع دول الخليج أو مع إسرائيل، لا تمثل خيارًا مفضلًا للنظام في المرحلة الراهنة.

إيران تعاني من إنهاك اقتصادي شديد نتيجة العقوبات وتراجع عائدات النفط، وأي مواجهة عسكرية مباشرة قد تفضي إلى نتائج كارثية داخليًا، وربما تُسرّع من تفكك الجبهة الداخلية بدل تعزيزها.

السيناريو الأرجح، بحسب محللين نقلت عنهم رويترز، هو تصعيد محدود وغير مباشر، يشمل خطابًا سياسيًا متشددًا، أو رسائل ردع عبر حلفاء إقليميين، دون الانزلاق إلى حرب شاملة يصعب التحكم بتداعياتها.

رابعًا: سيناريو السقوط… هل تقود إيران إلى الفوضى؟

تحذر تقارير الغارديان وبعض مراكز الأبحاث الغربية من أن انهيارًا مفاجئًا وغير منظم للنظام – رغم كونه احتمالًا ضعيفًا في المدى القريب – قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني معقد.

إيران دولة متعددة الأعراق والمذاهب، ويحتوي بنيانها الداخلي على توازنات دقيقة بين مراكز قوى سياسية وأمنية واقتصادية.

وفي حال غياب انتقال منظم، قد تشهد البلاد:

صراعات داخل مؤسسات الدولة نفسها.

توترات مناطقية وعرقية، خاصة في الأطراف.

محاولات تدخل خارجي غير مباشر عبر وكلاء محليين.

لكن في المقابل، يشير باحثون في مراكز أبحاث إقليمية ودولية إلى أن إيران تمتلك مؤسسات راسخة، وجهاز دولة متغلغل، ما يجعل سيناريو الفوضى الشاملة أو الحرب الأهلية ليس حتميًا، حتى في حال حدوث تغيير سياسي كبير، بخلاف تجارب دول أخرى في المنطقة.

خامسًا: ما مصير أهل السنة في حال التغيير؟

يُعد وضع أهل السنة في إيران من أكثر الملفات حساسية في أي سيناريو مستقبلي.

فبحسب تقارير حقوقية نقلتها الغارديان ومنظمات إقليمية مستقلة، يعاني السنة – لا سيما في مناطق البلوش والأكراد – من تهميش اقتصادي، وقيود سياسية، وضعف في التمثيل المؤسسي.

ويرتبط مستقبلهم ارتباطًا وثيقًا بطبيعة التغيير المحتمل:

في حال انتقال سياسي إصلاحي ومنظم، قد يشهد السنة تحسنًا نسبيًا في أوضاعهم، ضمن إصلاحات أوسع تشمل مختلف فئات المجتمع الإيراني.

أما في حال الفوضى أو الصراع الداخلي، فإن الأقليات غالبًا ما تكون الأكثر تضررًا، سواء من حيث الأمن أو الاستقرار الاجتماعي، وهو ما تحذر منه تقارير بحثية عدة.

تشير مجمل المعطيات إلى أن إيران تدخل مرحلة اضطراب ممتد، أكثر من كونها على أعتاب سقوط وشيك للنظام.

الاحتجاجات ذات جذور داخلية واضحة، والتدخل الخارجي – إن وجد – يظل محدود التأثير، بينما يبقى التصعيد الإقليمي مضبوطًا بسقف حسابات دقيقة.

يبقى مستقبل إيران، ومصير الأقليات فيها، مرهونًا بشكل التغيير:

إما إصلاح تدريجي يخفف الاحتقان، أو صدمة غير محسوبة قد تفتح الباب على سيناريوهات أكثر تعقيدًا.

فيما يلي تحليل صحفي مركز وموسّع يجيب مباشرة عن أسئلتك، مع آراء خبراء بالأسماء، وشرح دور التضخم والأسعار، ومناقشة مخاوف سيناريو “مادورو” في الحالة الإيرانية:

ما أسباب احتمالات السقوط؟

يرى معظم الخبراء أن الحديث عن “سقوط وشيك” للنظام الإيراني مبالغ فيه، لكنهم يتفقون على أن عوامل التآكل البنيوي تتراكم بشكل خطير.

علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، يؤكد أن “الخطر الحقيقي على النظام الإيراني لا يأتي من الشارع وحده، بل من اجتماع الأزمة الاقتصادية مع انسداد الأفق السياسي”، معتبرًا أن النظام “يخسر تدريجيًا قدرته على إقناع شرائح واسعة بجدوى بقائه”.

من جهته، يرى فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز، أن السبب الجوهري لأي سيناريو سقوط مستقبلي هو “فشل النموذج الاقتصادي-السياسي في إنتاج الاستقرار”، موضحًا أن “الشرعية الثورية لم تعد كافية، والشرعية الدينية تآكلت، بينما الشرعية الاقتصادية غائبة بالكامل”.

أما كريم سجادبور، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فيشير إلى أن النظام لا يسقط بسبب الاحتجاجات وحدها، بل عندما “تتوقف النخب عن الدفاع عنه”. ويضيف أن أخطر ما تواجهه طهران اليوم هو “تململ داخل الطبقة البيروقراطية والاقتصادية التي كانت تاريخيًا صمام أمان للنظام”.

هل التضخم وارتفاع الأسعار هما المحرك الأساسي للاحتجاجات؟

الإجابة المختصرة: نعم، وبقوة.

بحسب تحليل دجواد صالح‌إصفهاني، أستاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، فإن “التضخم في إيران لم يعد ظاهرة اقتصادية فحسب، بل تحوّل إلى أزمة سياسية”. ويؤكد أن الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والطاقة والإيجارات “كسر العقد الاجتماعي غير المعلن بين الدولة والمواطن”، حيث لم تعد الإعانات أو الدعم الجزئي قادرة على امتصاص الغضب.

سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز، تشير إلى أن الاحتجاجات الأخيرة “ليست أيديولوجية في جوهرها”، بل تعبير عن “شعور واسع بانسداد الأفق المعيشي”. وتضيف أن “المواطن الإيراني العادي لم يعد يسأل عن السياسة الخارجية، بل عن سعر الخبز والدواء”.

حتى تجار البازار، الذين شكّلوا تاريخيًا قاعدة اقتصادية داعمة للنظام، دخلوا على خط الاحتجاج بسبب:

انهيار العملة.

صعوبة الاستيراد.

تراجع القدرة الشرائية للمستهلك.

وهو ما اعتبره ريتشارد نفيو، الخبير السابق في العقوبات الأمريكية، مؤشرًا بالغ الخطورة، لأن “احتجاج البازار تاريخيًا كان مقدمة لتحولات سياسية كبرى في إيران”.

هل يخشى النظام الإيراني سيناريو “مادورو”؟

نعم، وبشكل واضح.

داخل دوائر صنع القرار في طهران، يُستحضر سيناريو فنزويلا في عهد نيكولاس مادورو بوصفه نموذجًا تحذيريًا:

نظام لا يسقط، لكنه يتحول إلى دولة منهكة، فقيرة، ومعزولة، تعتمد على القمع والدعم الخارجي المحدود للبقاء.

أحمد زيدآبادي، المحلل السياسي الإيراني المعروف، كتب في أكثر من مناسبة أن “الخطر الحقيقي ليس الثورة، بل التحول إلى دولة فاشلة بطيئة الانهيار”.

هذا الرأي يشاركه عباس عبدِي، أحد أبرز الإصلاحيين، الذي يرى أن استمرار التضخم وانخفاض مستوى المعيشة قد يقود إلى “استقرار هش على الطريقة الفنزويلية، حيث يبقى النظام لكن تنهار الدولة”.

فالي نصر يوضح أن أوجه الشبه مع فنزويلا تشمل:

اعتماد الاقتصاد على مورد واحد أو شبه واحد.

العقوبات الطويلة الأمد.

هجرة الكفاءات.

تآكل الطبقة الوسطى.

لكن في المقابل، يشير إلى اختلاف مهم: “إيران تمتلك جهازًا أمنيًا وتنظيميًا أقوى بكثير من فنزويلا، ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود، ولكن بثمن اجتماعي باهظ”.

لماذا يُعد سيناريو مادورو خطيرًا على المدى الطويل؟

بحسب سجادبور، فإن هذا السيناريو يعني:

لا إصلاحات حقيقية.

لا سقوط سريع.

لكن تدهورًا مستمرًا في مستوى الحياة.

واحتجاجات دورية تُقمع دون أن تختفي.

ويحذر من أن هذا المسار “قد يكون أخطر من السقوط”، لأنه يولّد مجتمعًا ناقمًا، واقتصادًا مشلولًا، ودولة تعتمد على الأمن بدل الرضا الشعبي.

التضخم وارتفاع الأسعار هما الوقود الحقيقي للاحتجاجات، وليس الشعارات السياسية.

السقوط ليس حتميًا، لكن عوامل التآكل تتزايد.

النظام يخشى سيناريو مادورو أكثر من خشيته سيناريو الثورة الشاملة.

الخطر الأكبر يتمثل في البقاء دون إصلاح، لا في السقوط المفاجئ.

كلمات مفتاحية: