الرئيس الكولومبي يختتم جولته في الشرق الأوسط
محاولة لإعادة رسم صورة بلاده خارج النفوذ الأمريكي
- محمود الشاذلي
- 8 نوفمبر، 2025
- اخبار العالم
- أمريكا اللاتينية, الاتجار بالمخدرات, البرازيل, الرئيس الكولومبي, المملكة العربية السعودية, دونالد ترامب, كولومبيا
يواصل الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو تحركاته الدولية المكثفة في محاولة لإعادة رسم صورة بلاده خارج إطار النفوذ الأمريكي، رغم العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليه مؤخرًا، بزعم صلاته المزعومة بالاتجار بالمخدرات، وهي اتهامات لم تُدعَّم بأي أدلة.
فمنذ إدراجه على قائمة العقوبات، نادرًا ما قضى بيترو لياليه في قصر الرئاسة «كاسا دي نارينيو» في العاصمة بوغوتا، واصفًا إياه بأنه “بارد وقبيح”، مفضّلًا التواجد في الميدان الدولي حيث يسعى إلى تعزيز موقع كولومبيا في السياسة العالمية.
وفي الأسابيع الأخيرة، بدأ جولة دبلوماسية واسعة النطاق شملت المملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر، والبرازيل، قبل أن يستعد لاستضافة قمة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (سيلاك) مع الاتحاد الأوروبي في مدينة سانتا مارتا الكولومبية المطلة على البحر الكاريبي.
خلال مشاركته في الاجتماعات التحضيرية لقمة المناخ (COP30) في مدينة بيليم البرازيلية، أطلق بيترو تصريحات مثيرة للجدل، اعتبر فيها أن “زيادة أوروبا لإنفاقها العسكري بدعوى مواجهة روسيا، خطوة خاطئة”، مؤكدًا أن “العدو الحقيقي للبشرية هو أزمة المناخ لا موسكو”.
ورغم خطابه المعادي للوقود الأحفوري، تجاهل بيترو هذا الموقف خلال زيارته للسعودية، أكبر منتجي النفط في العالم، حيث ركّز هناك على التعاون الاقتصادي والاستثماري. كما لم يتردد في توجيه انتقادات حادة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرًا أنها تُقوّض التعاون في أمريكا اللاتينية وتعيد مناخ التبعية القديم.
العلاقات بين كولومبيا وواشنطن تشهد توترًا متزايدًا منذ وصول بيترو إلى الحكم قبل نحو عامين. فقد سحب البيت الأبيض بعض برامج التعاون الأمني والاستخباراتي الخاصة بمكافحة تهريب المخدرات، كما ألغت الولايات المتحدة تأشيرة الرئيس الكولومبي، وفرضت وزارة الخزانة قيودًا مالية عليه.
وتسببت هذه الإجراءات في ارتباك اقتصادي كبير في بوغوتا، خاصة بعد أن هدد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية على الصادرات الكولومبية، إثر حادثة إعادة طائرتين تقلّ مرحّلين كولومبيين من الولايات المتحدة إلى بلادهم مكبلين بالأصفاد. ورغم تسوية الأزمة خلال 24 ساعة بوساطة دبلوماسيين ورؤساء سابقين، إلا أنها كشفت هشاشة العلاقات الثنائية وأظهرت حاجة كولومبيا الماسة لتنويع تحالفاتها الخارجية.
ردًّا على الضغوط الأمريكية، يسعى بيترو لتوسيع آفاق التعاون الدولي من خلال شراكات جديدة مع العالم العربي وإفريقيا وآسيا.
فقد افتتحت كولومبيا مؤخرًا سفارات جديدة في السعودية وقطر والسنغال، وأعادت فتح سفارتها في غانا. كما انضمت رسميًا في مايو الماضي إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، في خطوة عُدّت تحديًا واضحًا للنفوذ الأمريكي في المنطقة.
وأكد نائب وزير الخارجية الكولومبي، موريسيو جاراميلو جاسر، أن بلاده “ليست معزولة كما يروّج البعض، بل تسعى لسياسة خارجية متعددة الأطراف وطموحة”. مشيرًا إلى أن الانفتاح على الشرق الأوسط وإفريقيا لم يكن رد فعل على العقوبات، بل “خطة مدروسة سبقت قرارات واشنطن الأخيرة”.
قام بيترو منذ توليه الرئاسة بأكثر من 70 رحلة خارجية استغرقت نحو 250 يومًا خارج البلاد، وهو ما دفع المعارضة في البرلمان لتقديم مشروع قانون يهدف إلى تقييد سفر الرئيس المتكرر.
لكن بيترو يدافع عن تحركاته مؤكدًا أن “الدبلوماسية النشطة هي وسيلة لحماية مصالح كولومبيا، وليست هروبًا من الداخل”، وأضاف خلال لقائه بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أن بلاده “أنجح حكومة في العالم في مكافحة تجارة الكوكايين”.
من المقرر أن تستضيف مدينة سانتا مارتا قمة سيلاك – الاتحاد الأوروبي في ختام جولة بيترو، وسط توقعات بأن تتحول القمة إلى منصة لإعادة صياغة العلاقة بين أمريكا اللاتينية وأوروبا بعيدًا عن النفوذ الأمريكي.
وفي بيان مشترك مع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، شدّد بيترو على أن الوقت قد حان “لتوحيد الصف اللاتيني في مواجهة التدخلات الخارجية”. وقال:
“أشكر الرئيس لولا على دعوته للدفاع عن منطقتنا. لقد آن أوان أن تجتمع أمريكا اللاتينية مع أوروبا على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة”.
رغم النشاط الدبلوماسي المكثف، يرى مراقبون أن العقوبات الأمريكية حدّت من قدرة بيترو على المناورة السياسية، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث أكد رغبته في العودة إلى نيويورك لإلقاء كلمة، رغم القيود المفروضة على تحركاته.
وتقول خبيرة العلاقات الدولية ساندرا بوردا من جامعة لوس أنديس في بوغوتا:
“لا يمكن بناء سياسة خارجية استراتيجية ومبدئية إذا كان صانع القرار محاصرًا بالعقوبات. بيترو يمتلك رؤية عالمية، لكن تطبيقها يظل محدودًا بالضغوط الواقعية”.
يحاول الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو من خلال جولاته ومشاركاته في القمم الإقليمية أن يثبت أن بلاده لم تعد مجرد تابع لسياسات واشنطن، بل لاعب مستقل يسعى لتشكيل تحالفات جديدة على الساحة الدولية.
لكن في ظل العقوبات الأمريكية والتوترات السياسية، يظل السؤال المطروح:
هل سينجح بيترو في تحويل هذا النشاط الدبلوماسي المكثف إلى نفوذ حقيقي لكولومبيا على الخريطة العالمية؟