بعض التواضع لفهم مخاطر ما يجري في اليمن
د محمد محسوب
- dr-naga
- 21 أكتوبر، 2026
- اليمن, صراعات, مقالات وتحليلات
- الحرب الأمريكية الإسرائلية الإيرانية, اليمن, د محمد محسوب
لم تبدأ مواجهات الشرعية وجماعة أنصار الله الحوثية مع الحرب الأمريكية الإسرائلية الإيرانية، بل منذ الانقلاب على شرعية الدولة التي حملتها ثورة اليمن المجيدة، والتي قاد فيها الانقلاب نظام الحكم السابق، علي عبدالله صالح، مستعينا بجماعة الحوثي ودعم – أو على الأقل رضا – إقليمي من نفس القوى التي غيرت خندقها فيما بعد وكوّنت ما يسمى محور دعم الشرعية، بعد أن تبين لها أنها أخطأت في رؤيتها وتقديرها لثورة اليمن، ورأت فيها – على غير الحقيقة – خطرا عليها.
كانت المخاوف المُغالى فيها من ثورات الربيع العربي سببا في تبني حكومات المنطقة لرؤية ضيقة سكتت فيها أو دعمت انقلابات هي ما قادت المنطقة للأوضاع الحالية المُختلة.
والأمر لم يعد يحتمل محاسبة أحد حول مسئوليته أو خطئه في فهم ما يجري، وعمن أيّد من أو ساند من، والنتائج التي ترتبت على ذلك.
فما يجري تجاوز بالتأكد تصوّرات الجميع وتحوّل لخطر محدق وتهديد وجودي، ليس لحكومات بعينها بل لدول كاملة لا يمكن التنبوء بما سيكون عليه الإقليم إن – لا قدر الله – غابت عن المشهد.
ربما لا برضى كثيرون عن وضع منتطقتنا منذ الحرب العالمية الأولى حتى اليوم، غير إن التفريط في الأوضاع الحالية والظروف المحيطة بها، لن يؤدي لتحسين أوضاع أي من دولنا، بل سيزيد الأمر سوءا في ظل خلل استراتيجي في القوي لغير صالحنا. وبالتالي فإن أي إعادة تشكيل للمنطقة لن يكون بيدنا أو لصالحنا.
لذلك، فإن الحفاظ على ما هو قائم – أقصد الدول والحدود السياسية والجغرافية – والبناء عليه، سيبقى الخيار الأفضل والأكثر أمنا لكل دول المنطقة وشعوبها.
المطلوب الآن، أولا، أن تقبل الحكومات حقيقة أن اجتهاداتها كانت خاطئة عندما فضلت كبت تطلعات شعوبنا بدلا من الإنصات إليها. وأن التعقيدات القائمة تعود في أغلبها لتلك المواجهة التي كان علينا تجنبها ومحاولة التعامل معها باعتبارها إنذارا بالحاجة للتغيير وليس التصلب في المواقف.
وثانيا، إعادة بناء الجسور بين الحكومات وشعوبها، بالقبول ببرلمانات حقيقية وانتخابات نزيهة يمكن من خلالها الاستماع لمطالب الشعب قبل أن تتحول لغضب وانفجار.
وثالثا، اعتبار النزاعات القائمة هي محاولات للنيل من كل المنطقة بدون استثناء، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي تبني رؤية للتعامل معها على أساس عدم الاندفاع إليها أو الإنزلاق لوحلها، وإنما عن طريق بناء تخالفات من بين دول المنطقة ليس لمواجهة أحد بل للوصول لتوازن يسمح بتحقيق الاستقرار ومنع تمدد النزاعات لأكثر مما امتدت إليه.
رابعا، تفعيل القوى الكامنة لدينا والتي نغفل عن حقيقة حيازتنا لها. فإذا كان ثمة اختلال في التوازن لغير صالحنا في مجال القوى الخشنة، فإن الأمر ينعكس تماما لو نظرنا لما نملكه من إمكانات وقدرات على الضغط وإجبار الآخرين على احترام مصالحنا.
خامسا، البدء بإطفاء النار التي نشبت في بعض من ساحاتنا، وأولها حرب اليمن. ولن يحدث ذلك إلا ببعض من التواضع والقبول بأنه كان ثمة خطأ في التعامل مع المعضلة منذ البداية، وهو ما سمح للغير بالتمدد في الفراغ الذي فشلنا في ملئه.
لا يتعلق الأمر بوساطة بين المتحاربين، وإنما بمباشرة ضغوط جماعية مُنسقة على طرفي الصراع داخل اليمن للجلوس معا وفض اشتباكها باتفاق واضح تضمنه دول المنطقة وتضمن معالجة النتائج الاقتصادية والاجتماعية بدعم مفتوح.
سادسا، الكف عن استخدام أي تصنيفات مذهبية أو عرقية عند معالجة مشكلاتنا، فنحن أمة متنوعة تعايشت مع هذا التنوع ولا يجب أن نحوّله إلى عوامل تفجير أو تنازع؛ خصوصا وقد ثبت للجميع أننا لا نسنتفيد من ذلك، بل يستفيد غيرنا، ثم يستعمله ضدنا للتفريق والتقسيم وإضعاف مواقفنا.
التواضع والقبول باحتمالية ارتكاب أخطأ والسعي لمعالجته والاستماع لوجهات نظر أخرى والاستعانة بالشعوب وفتح قنوات شرعية للتواصل معها، هو ما يمكن أن يحصن المنطقة مما تنزلق إليه.