بريطانيا تعاقب قادة سودانيين وسط اتهامات بجرائم حرب
على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين
- dr-naga
- 27 أكتوبر، 2026
- السودان وأثيوبيا, تقارير وترجمات, صراعات
- الجيش السوداني, الدعم السريع, المنظمات الحقوقية, انتهاكات ضد المدنيين, بريطانيا, جرائم حرب في السودان, حقوق الإنسان, قادة سودانيين
أعلنت الحكومة البريطانية، اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، فرض عقوبات على 15 قائدًا عسكريًا وأمنيًا وشخصيات مرتبطة بتشكيلات مسلحة سودانية، على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين، تشمل العنف الجنسي والتعذيب والهجمات على السكان، في خطوة تعيد ملف المساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب السودانية إلى واجهة التحركات الدولية.
وتشمل العقوبات أفرادًا من قوات الدعم السريع والجيش السوداني وتشكيلات مسلحة متحالفة معه. وقالت وزارة الخارجية البريطانية إن الإجراءات تأتي بعد عام من سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع، وما ارتبط بذلك من تقارير عن عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وتجويع خلال الحصار والمعارك.
وتتضمن العقوبات تجميد أصول وحظر سفر المستهدفين، في إطار مساعٍ بريطانية معلنة لزيادة الضغط على المسؤولين عن الانتهاكات ودعم الناجين منها. وأعلنت لندن كذلك تقديم تمويل إنساني إضافي للسودان، يشمل دعم المتضررين من العنف الجنسي وتعزيز المساعدات في مناطق تواجه خطر الجوع.
لماذا جاءت العقوبات في هذا التوقيت؟
يرتبط الإعلان بالذكرى السنوية الأولى لسقوط الفاشر، التي خضعت لحصار طويل قبل سيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر 2025. وقد تحدثت تقارير حقوقية وإنسانية عن قتل مدنيين واعتقالات وتعذيب واعتداءات جنسية، فضلًا عن فرار أعداد كبيرة من السكان.
واستندت الحكومة البريطانية إلى تحقيقات أعدها مركز «معلومات المرونة»، وهو جهة بحثية تُعنى بتوثيق الانتهاكات باستخدام الأدلة المفتوحة، ضمن مشروع مدعوم بتمويل بريطاني. وقالت لندن إن التحقيقات وثقت أنماطًا من التجويع والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، ونسبت مسؤولية انتهاكات إلى أطراف متعددة في الحرب.
لكن العقوبات البريطانية تظل إجراءات تتخذها حكومة وطنية استنادًا إلى تقييماتها والأدلة التي تعتمدها، وليست أحكامًا جنائية صادرة عن محكمة دولية. ولذلك ينبغي التمييز بين الأشخاص الذين فرضت عليهم العقوبات بسبب الاشتباه في تورطهم، وبين من تثبت مسؤوليتهم الجنائية أمام جهة قضائية مختصة.
منظمة العفو الدولية: العقوبات خطوة نحو العدالة
رحبت منظمة العفو الدولية في بريطانيا بالعقوبات، واعتبرها مدير الاستجابة للأزمات كريستيان بنديكت خطوة نحو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما فيها الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي.
واستشهد بنديكت بشهادات جمعتها المنظمة من أشخاص فروا من الفاشر، تضمنت روايات عن احتجاز مدنيين في مدارس تحولت إلى مراكز احتجاز، وسوء التغذية، وضرب المحتجزين بصورة متكررة.
لكن المنظمة لم تعتبر العقوبات كافية وحدها لإنهاء الأزمة. وطالبت بوقف إطلاق النار، وتعزيز حماية المدنيين، وإنهاء الدعم الخارجي الذي يسهم في استمرار الحرب. كما دعت الحكومة البريطانية إلى وقف صادرات السلاح إلى الإمارات، متهمة أبوظبي بتسليح قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.
ويكشف هذا الموقف عن خلاف يتجاوز تحديد المسؤولين عن الجرائم؛ إذ ترى المنظمة أن محاسبة القادة ينبغي أن تترافق مع معالجة مصادر التسليح والتمويل التي قد تساعد الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال.
وفي المقابل، يتطلب تقييم الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي التمييز بين ما توصلت إليه التحقيقات الموثقة، وما تنفيه الدول المعنية، وما لم يُحسم بصورة مستقلة. كما أن فرض العقوبات على قادة من الطرفين لا يعني بالضرورة أن حجم الانتهاكات أو الأدلة المتعلقة بكل طرف متساوٍ.
لماذا شملت العقوبات الجيش والدعم السريع معًا؟
من أبرز جوانب القرار البريطاني أنه لم يقتصر على قوات الدعم السريع، التي وُجهت إليها اتهامات واسعة بشأن الانتهاكات في الفاشر ومناطق أخرى، بل شمل أيضًا قادة من القوات المسلحة السودانية وتشكيلات متحالفة معها.
وتقول لندن إن الانتهاكات التي استندت إليها إجراءاتها ارتُكبت على أيدي عناصر من أطراف متعددة، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي والهجمات على المدنيين.
ويكتسب ذلك أهمية في ظل الاتهامات المتبادلة بين الجيش والدعم السريع بشأن استهداف السكان، واحتجاز المدنيين، وتدمير البنية التحتية، واستخدام الطائرات المسيّرة في الهجمات.
غير أن التعامل مع الطرفين وفق معيار واحد للمساءلة لا يقتضي افتراض تماثل الوقائع أو المسؤوليات. فكل اتهام يحتاج إلى أدلة خاصة به، وتحديد الأشخاص الذين أصدروا الأوامر أو نفذوا الانتهاكات أو ساهموا فيها.
وتبرز هنا ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة، وحماية الشهود والناجين، وعدم السماح للانتماءات العسكرية أو السياسية بأن تحول دون المحاسبة.
هجمات جديدة على محطات الكهرباء تزيد معاناة المدنيين
بالتزامن مع إعلان العقوبات، أفادت شركة كهرباء السودان القابضة، اليوم، بأن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت خمس محطات كهرباء في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض.
وقالت الشركة إن الهجمات ألحقت أضرارًا كبيرة بالمعدات، وأدت إلى انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة، محذرة من تأثير الأضرار في استقرار الشبكة القومية. وأعلنت إرسال فرق فنية لتقييم الخسائر والبدء بأعمال الإصلاح.
ونسبت السلطات السودانية الهجمات إلى قوات الدعم السريع، لكن القوات لم تقدم ردًا متاحًا بشأن الاتهامات وقت نشر التقارير، ولم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الرواية الرسمية.
ولا تقتصر آثار انقطاع الكهرباء على المنازل؛ إذ تعتمد المستشفيات على الطاقة لتشغيل الأجهزة الطبية وحفظ الأدوية، كما تحتاج محطات المياه والمنشآت الزراعية إلى الكهرباء لضمان استمرار خدماتها.
وقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المزارع السوداني عبد الحفيظ ضف الله، من ولاية الجزيرة، مخاوفه من تعطل مضخات الري مجددًا بعد أن بدأت الزراعة تتعافى من أضرار سابقة. كما تحدث صاحب متجر عن خطر تلف البضائع المحفوظة في الثلاجات بسبب انقطاع الكهرباء.
وتوضح هذه الشهادات كيف تنتقل آثار الحرب من الجبهات العسكرية إلى حياة السكان اليومية، فتتضرر الزراعة والتجارة والخدمات الصحية، حتى في المناطق البعيدة نسبيًا عن خطوط القتال المباشر.
ما الذي تقوله المؤسسات الدولية عن استهداف البنية التحتية؟
حذرت الأمم المتحدة في تقاريرها بشأن السودان من أن الهجمات على منشآت الكهرباء تهدد الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين السكان، ولا سيما الرعاية الصحية وإمدادات المياه.
وتأتي هذه التحذيرات في بلد يعاني أصلًا من أزمة إنسانية واسعة، ونزوح جماعي، وتراجع قدرة المستشفيات على العمل، ونقص الغذاء والدواء.
ومن الناحية القانونية، لا يجوز استهداف المنشآت المدنية لمجرد إضعاف الطرف الآخر. ويتوقف التقييم القانوني لأي هجوم على طبيعة المنشأة، وما إذا كانت تسهم فعلًا في العمل العسكري، والهدف المحدد من الهجوم، والآثار المتوقعة على المدنيين، ومدى الالتزام بقواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة.
وبالتالي، فإن ثبوت استهداف منشآت كهرباء مدنية دون مبرر عسكري مشروع قد يثير مسائل خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني. لكن تحديد المسؤولية القانونية يتطلب تحقيقًا في كل واقعة، بما في ذلك طبيعة الهدف والأضرار الفعلية والجهة التي نفذت الهجوم.
هل تكفي العقوبات لوقف الانتهاكات؟
تواجه السياسة البريطانية تحديًا يتعلق بمدى قدرة العقوبات الفردية على تغيير سلوك القادة المتحاربين، خصوصًا عندما تستمر الحرب وتظل الأطراف قادرة على الحصول على الأسلحة والموارد والدعم الخارجي.
فحظر السفر وتجميد الأصول قد يحدان من حركة المستهدفين وقدرتهم على استخدام الأموال الموجودة في نطاق الولاية القانونية البريطانية، لكنهما لا يوقفان القتال تلقائيًا ولا يضمنان تسليم المتهمين إلى القضاء.
كما أن أثر العقوبات يعتمد على تعاون دول أخرى، ومدى وجود أصول للمستهدفين خارج السودان، وقدرة الجهات الدولية على جمع الأدلة وحماية الشهود.
وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة مطالب رئيسية من المنظمات الحقوقية والإنسانية: وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات، وإجراء تحقيقات مستقلة تفضي إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم المثبتة.
أما على المستوى السوداني، فإن استمرار استهداف محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية يوضح أن حماية المدنيين لا تنفصل عن وقف الهجمات التي تدمر البنية التحتية وتزيد صعوبة استعادة الحياة الطبيعية.
الخلاصة
تجمع تطورات اليوم بين مسار للمساءلة الدولية عن الانتهاكات المرتكبة في الفاشر ومناطق أخرى، وتصعيد عسكري جديد يهدد الخدمات الأساسية في شرق السودان ووسطه.
وتشير العقوبات البريطانية إلى توجه لمحاسبة أفراد من أطراف متعددة، لكنها لا تحسم المسؤولية الجنائية النهائية لأي شخص، ولا تعالج وحدها مصادر استمرار الحرب. وفي الوقت نفسه، تثير الهجمات على محطات الكهرباء مخاوف من تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على شبكة محدودة الموارد.
ويبقى معيار نجاح التحركات الدولية مرتبطًا بقدرتها على حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات، ودعم التحقيقات المستقلة، والحد من تدفق السلاح الذي يطيل أمد الصراع.
المصادر
•وزارة الخارجية البريطانية
•منظمة العفو الدولية في بريطانيا
•صحيفة «سودان تريبيون»
•وكالة الصحافة الفرنسية
•وكالة رويترز