بريطانيا تضخ 400 مليون إسترليني لتعزيز أبحاث الدواء

لتصبح "العاصمة العالمية" لابتكار الأدوية

الرائد// في خطوة استراتيجية تهدف إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للابتكار الطبي، أعلنت المملكة المتحدة عن ضخ استثمارات ضخمة بقيمة 400 مليون جنيه إسترليني لدعم أبحاث وتطوير الأدوية. تأتي هذه المبادرة الطموحة بالتعاون بين الحكومة البريطانية وكبرى شركات صناعة الأدوية العالمية، بهدف تسريع وتيرة اكتشاف علاجات الجيل القادم، وتعزيز قدرة النظام الصحي على مواجهة الأوبئة المستقبلية، مما يمثل تحولاً نوعياً في خارطة الرعاية الصحية والاقتصاد الحيوي للبلاد.
أعلنت شركة الأدوية البريطانية جي إس كيه في 28 يوليو 2026 استثمار 400 مليون جنيه إسترليني لإنشاء مركز جديد للبحث والتطوير في مدينة كامبريدج، في خطوة تهدف إلى تجميع جزء كبير من أنشطة الشركة البحثية وتعزيز قدراتها في تطوير الأدوية.
ويأتي المشروع ضمن خطة أوسع للشركة لإعادة تنظيم عملياتها البحثية، حيث تخطط لنقل أكثر من ألف عالم من مركزها في ستيفنيج إلى الموقع الجديد بحلول عام 2029، مع تحديث منشآتها الأخرى، بهدف تسريع مراحل اكتشاف الأدوية وتطويرها.
التمويل والشراكة بين القطاعين العام والخاص
يستند تمويل أبحاث الأدوية البريطانية البالغ 400 مليون جنيه إسترليني إلى نموذج شراكة استراتيجي ومبتكر يمتد لخمس سنوات، ويُعرف ببرنامج الاتفاقية التطوعية لتسعير الأدوية والوصول إليها والنمو (VPAG).
وتجمع هذه الشراكة الفريدة بين الحكومة البريطانية، وهيئة الرعاية الصحية الوطنية (NHS)، وكبرى شركات صناعة الأدوية العالمية الممثلة في “جمعية صناعة الأدوية البريطانية” (ABPI)، حيث تتدفق الأموال مباشرة من مساهمات القطاع الخاص كجزء من ترتيبات تسعير الأدوية ذات العلامات التجارية، مما يضمن تدفقاً مالياً مستداماً لدعم الابتكار الطبي.
وفي إطار العمل المشترك بين القطاعين، تتولى وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية ومكتب العلوم الحياتية الإشراف الكامل وتوجيه الأولويات الاستراتيجية، في حين توفر هيئة الرعاية الصحية الوطنية (NHS) البنية التحتية الأساسية من مستشفيات وعيادات وكوادر طبية، إلى جانب تسهيل الوصول الآمن إلى بيانات المرضى اللازمة لإجراء البحوث. وفي المقابل، تلتزم شركات الأدوية الكبرى بتقديم رأس المال، والخبرات العلمية، والتقنيات المتطورة لتسريع عملية اكتشاف علاجات الجيل القادم وتطويرها.
أوجه تخصيص الميزانية (أين تذهب الأموال؟)
وتتوزع ميزانية هذا التمويل بدقة لتحقيق أقصى استفادة ممكنة، حيث يتم تخصيص الحصة الأكبر والتي تبلغ نحو 75% لتوسيع نطاق التجارب السريرية التجارية وتسريع وتيرتها في المستشفيات البريطانية. ويشمل ذلك تأسيس 18 مركزاً إقليمياً جديداً لتوصيل الأبحاث التجارية، وتزويد المنشآت الطبية بأحدث أجهزة الفحص الرقمي وتقنيات التتبع، فضلاً عن توجيه جزء من الاستثمارات لدعم ابتكارات التصنيع الدوائي المستدام الذي يطابق معايير الحياد الكربوني.
التزامات استثمارية موازية من الشركات (مثال عيني)
ولم تقتصر ثمار هذه الشراكة على الميزانية المحددة فحسب، بل حفزت كبرى شركات الأدوية على ضخ استثمارات موازية ضخمة لتعزيز مكانة بريطانيا البحثية؛ حيث أعلنت شركة “GSK” عن استثمار 400 مليون جنيه إسترليني إضافية لإنشاء مركز أبحاث وتطوير عملاق في كامبريدج لضم أكثر من 1000 عالم، في حين ضخت شركة “AstraZeneca” نحو 300 مليون جنيه إسترليني أخرى لدعم قدراتها الابتكارية، مما يؤكد نجاح هذا النموذج التكاملي في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ويمثل الاستثمار أهمية خاصة لقطاع العلوم الحيوية البريطاني، الذي يعد من القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد، إذ تعتمد بريطانيا تاريخياً على جامعاتها ومراكزها البحثية وشركاتها الدوائية الكبرى لتطوير علاجات جديدة في مجالات مثل اللقاحات والأمراض المناعية والسرطان.
وخلال العقود الماضية، أصبحت منطقة كامبريدج واحدة من أهم تجمعات التكنولوجيا الحيوية في أوروبا، بفضل وجود جامعة كامبريدج وشبكة واسعة من الشركات الناشئة والمختبرات المتخصصة. ولذلك فإن اختيار الموقع يعكس محاولة لتعزيز العلاقة بين البحث الأكاديمي والصناعة الدوائية.
تكاليف تطوير العقاقير
ويأتي الاستثمار في وقت تواجه فيه شركات الأدوية العالمية ضغوطاً متزايدة لخفض تكاليف تطوير العقاقير وتسريع وصول المنتجات الجديدة إلى الأسواق. كما أصبحت المنافسة العلمية مرتبطة بامتلاك قواعد بيانات ضخمة وقدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي وتحليل الجينات.
وتشير نتائج الاستثمار المتوقعة إلى احتمال تعزيز مكانة بريطانيا في صناعة الدواء الأوروبية، من خلال توفير بيئة تجمع العلماء والمهندسين والمتخصصين في التجارب السريرية داخل مركز واحد. كما قد يدعم المشروع شركات التكنولوجيا الحيوية الصغيرة التي تعتمد على التعاون مع المؤسسات الكبرى.
لكن نجاح المشروع سيعتمد على قدرته على تحويل الإنفاق البحثي إلى منتجات دوائية ناجحة، لأن صناعة الأدوية من أكثر القطاعات التي تتطلب سنوات طويلة من التجارب والاستثمارات قبل تحقيق عائد اقتصادي.
كما يطرح المشروع نقاشاً أوسع حول مستقبل الصناعة الدوائية في أوروبا؛ فالقارة تمتلك قاعدة علمية قوية، لكنها تواجه منافسة متزايدة من الولايات المتحدة والصين في مجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي الطبي.
وتاريخياً، كانت شركات مثل جي إس كيه من ركائز الصناعة الدوائية البريطانية، لكن التحولات العالمية دفعت الشركات الكبرى إلى إعادة ترتيب مراكز البحث والتطوير حول تجمعات علمية أكثر ارتباطاً بالجامعات والابتكار.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى زيادة التركيز على كامبريدج كمركز عالمي للعلوم الحيوية، إلا أن النتائج النهائية ستتوقف على قدرة بريطانيا على الحفاظ على تمويل البحث العلمي، وتوفير الكفاءات، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى منتجات صناعية تنافسية.
المستقبل والريادة
يمثل هذا الاستثمار الضخم البالغ 400 مليون جنيه إسترليني نقطة تحول جوهرية في مسيرة الرعاية الصحية البريطانية، متجاوزاً كونه مجرد دعم مالي ليصبح نموذجاً ملهماً للشراكة الذكية بين القطاعين العام والخاص. إن نجاح المملكة المتحدة في توحيد جهود الحكومة وهيئة الـ NHS مع كبرى شركات الأدوية العالمية لا يسهم فقط في تسريع الوصول إلى علاجات منقذة للحياة، بل يعيد ترسيخ مكانة بريطانيا كقوة عظمى في مجال العلوم الحياتية، مؤكداً أن الاستثمار في البحث العلمي هو الرهان الأضمن لبناء مستقبل صحي واقتصادي أكثر أماناً واستدامة.”
المصدر:
•صحيفة الغارديان، 28 يوليو 2026، تقرير حول استثمار جي إس كيه في مركز أبحاث كامبريدج ونقل العلماء إليه+مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا