لندن تراهن على استثمارات مليارية في أفريقيا
لتعزيز الاستثمارات البريطانية في القارة
- السيد التيجاني
- 3 نوفمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, المشاريع العالمية, تقارير وترجمات
- استثمارات عالية المخاطر, الأسواق الأفريقية, القارة الأفريقية, القطاع الخاص, بريطانيا, لندن
تتجه بريطانيا إلى توسيع حضورها الاقتصادي في أفريقيا عبر استراتيجية استثمارية جديدة تستهدف الأسواق الأكثر مخاطرة، بعدما أعلنت مؤسسة التمويل البريطانية الدولية للاستثمار (BII) خطتها لضخ نحو 3 مليارات دولار، بما يعادل 2.25 مليار جنيه إسترليني، خلال السنوات الخمس المقبلة، في محاولة لتمويل مشروعات يصعب على المستثمرين التقليديين دخولها.
وتأتي الخطوة ضمن استراتيجية أوسع للفترة من 2026 إلى 2031، تبلغ قيمتها الإجمالية 9 مليارات جنيه إسترليني، تستهدف تعزيز الاستثمارات البريطانية في القارة، ودعم النمو الاقتصادي، وتوسيع فرص العمل، إلى جانب بناء شراكات طويلة الأجل مع الحكومات والقطاع الخاص الأفريقي.
الأسواق عالية المخاطر في صدارة الأولويات
تعكس الخطة تحولاً في توجهات التمويل البريطاني نحو الدول التي تعاني نقصاً في الاستثمارات، رغم امتلاكها فرصاً اقتصادية واعدة. وتشمل هذه الأسواق دولاً مثل بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تتردد المؤسسات الاستثمارية الكبرى في ضخ أموالها بسبب المخاطر السياسية والاقتصادية وضعف البنية التحتية.
وقال ليزلي مازدورب، الرئيس التنفيذي لمؤسسة التمويل البريطانية الدولية للاستثمار، إن المؤسسات الاستثمارية العالمية الكبرى لا تتجه عادة إلى بعض الأسواق الأفريقية الأكثر صعوبة، مشيراً إلى أن شركات كبرى مثل بلاك روك لا تستثمر في دول مثل بوروندي والكونغو الديمقراطية.
وتحاول المؤسسة سد هذه الفجوة من خلال تقديم تمويل طويل الأجل، وتحمل مستويات أعلى من المخاطر، بما يسمح بجذب استثمارات إضافية من القطاع الخاص، وتحويل الأسواق التي ينظر إليها باعتبارها عالية المخاطر إلى وجهات أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال.
الطاقة والنقل والرقمنة في قلب الخطة
تتركز الاستثمارات المستهدفة على قطاعات حيوية، أبرزها الطاقة، والبنية التحتية للنقل، والموانئ، والسكك الحديدية، والاتصالات، والخدمات الرقمية، إلى جانب التصنيع والزراعة والخدمات المالية.
وتراهن بريطانيا على أن تحسين البنية التحتية سيؤدي إلى خفض تكاليف الإنتاج والنقل، ورفع قدرة الاقتصادات الأفريقية على التجارة والتصدير، فضلاً عن توفير بيئة أكثر جاذبية للشركات المحلية والأجنبية.
كما تحظى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة باهتمام خاص، باعتبارها أحد المحركات الأساسية للتوظيف والنمو الاقتصادي، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على التمويل اللازم لتوسيع أعمالها.
وفي هذا السياق، أكدت سيما داناني، المديرة الإقليمية للمؤسسة في شرق أفريقيا، أهمية الخدمات المالية في الوصول إلى الشركات والأفراد، وتوسيع نطاق حصولهم على التمويل، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويعزز قدرة المشروعات الصغيرة على الاستمرار والنمو.
استثمارات مباشرة وتمويل من شركاء
تستهدف الاستراتيجية توفير 5 مليارات جنيه إسترليني من الاستثمارات المباشرة، إلى جانب تعبئة نحو 4 مليارات جنيه إضافية من شركاء ومستثمرين آخرين، وهو ما يعكس رغبة لندن في استخدام التمويل الحكومي والمؤسسي أداةً لجذب رؤوس أموال أكبر إلى القارة.
وتسعى المؤسسة من خلال هذا النموذج إلى تقليل المخاطر أمام المستثمرين، وتوفير الضمانات والخبرات اللازمة لتنفيذ مشروعات لا يمكن تمويلها بسهولة بالاعتماد على القطاع الخاص وحده.
وقال كريس تشيجيوتومي، المدير الإداري للمؤسسة في أفريقيا، إن الاستراتيجية تركز على توجيه رأس المال والخبرات إلى المجالات التي يمكن أن تحقق أكبر أثر اقتصادي وتنموي، وهو ما يضع البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية في مقدمة الأولويات.
من جانبها، اعتبرت جيني تشابمان، وزيرة الدولة البريطانية للتنمية وأفريقيا، أن التوجه الجديد يعكس انتقالاً نحو شراكات تنموية طويلة الأجل تقوم على الاستثمار والتعاون، بدلاً من الاقتصار على نماذج المساعدات التقليدية.
منافسة دولية على النفوذ الاقتصادي
لا يمكن فصل التحرك البريطاني عن التنافس الدولي المتزايد على الأسواق الأفريقية، التي أصبحت محور اهتمام القوى الاقتصادية الكبرى، في ظل ما تمتلكه من موارد طبيعية، وأسواق استهلاكية واسعة، واحتياجات ضخمة في مجالات الطاقة والنقل والتكنولوجيا.
وتتمتع الصين بحضور قوي في مشروعات البنية التحتية والتمويل، بينما تسعى دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية والاستثمارية مع الدول الأفريقية.
وفي هذا السياق، تمثل الاستراتيجية البريطانية محاولة لتعزيز النفوذ الاقتصادي للندن، وتوفير فرص أمام الشركات البريطانية في قطاعات تشهد نمواً متزايداً، فضلاً عن تأمين سلاسل الإمداد والوصول إلى أسواق وموارد استراتيجية.
لكن المنافسة لن تكون سهلة، خصوصاً أن بعض الدول الأفريقية أصبحت أكثر حرصاً على تنويع شركائها، وعدم الاعتماد على طرف دولي واحد، كما باتت تطالب بشروط تمويل أفضل، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص عمل محلية، وزيادة القيمة المضافة داخل اقتصاداتها.
من يستفيد من الاستثمارات؟
يبقى التحدي الأساسي أمام الخطة البريطانية هو ضمان انتقال أثر الاستثمارات إلى المجتمعات الأفريقية، وعدم اقتصار نتائجها على أرباح الشركات الأجنبية أو تعزيز المصالح التجارية للدول الممولة.
فنجاح الاستراتيجية لن يقاس فقط بحجم الأموال التي ستضخها المؤسسة، وإنما بقدرتها على زيادة فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة، ودعم التنمية في الدول الأقل حظاً في جذب الاستثمارات.
في المحصلة، تمثل الخطوة البريطانية اعترافاً بأن الاقتصادات الأفريقية الأكثر احتياجاً للاستثمار لا يمكن تركها رهينة لتصنيفات المخاطر التي تنفر منها المؤسسات المالية الكبرى. لكن ضخ الأموال وحده لا يكفي؛ فالمطلوب هو استثمارات تنقل التكنولوجيا، وتبني القدرات المحلية، وتدعم الصناعات الوطنية، بدلاً من الاكتفاء باستغلال الموارد والأسواق.
كما أن نجاح لندن في تحقيق أهدافها سيظل مرتبطاً بقدرتها على بناء شراكات متوازنة تحترم أولويات الدول الأفريقية، وتضمن أن تتحول الاستثمارات إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن، لا مجرد أرقام كبيرة في خطط التمويل.