بريطانيا تحت العاصفة: ديون وفقر وهروب المليونيرات
ستظل البلاد عالقة في دوامة الديون
- السيد التيجاني
- 14 سبتمبر، 2025
- تقارير
- الفقر, بريطانيا, سداد, هروب المليونيرات
بريطانيا اليوم واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية منذ عقود. مشهد تتشابك فيه الديون العامة الضخمة مع ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما يلوّح في الأفق نزيف لرؤوس الأموال وهجرة لأصحاب الثروات.
ديون تثقل الدولة
وصل الدين العام البريطاني إلى مستويات تقارب 96% من الناتج المحلي. هذا يعني أن جزءًا متزايدًا من ميزانية الدولة يذهب لسداد الفوائد، بدلًا من الاستثمار في الخدمات العامة.
خبراء الاقتصاد يرون أن استمرار هذا المسار قد يجعل بريطانيا أقل قدرة على مواجهة صدمات جديدة، مثل ركود عالمي أو أزمة مالية مفاجئة.
تكاليف معيشية خانقة
التضخم خفّ عن ذروته، لكنه لا يزال يضغط على الأسر. فواتير الطاقة، أسعار الغذاء، والإيجارات ارتفعت بشكل يجعل ملايين البريطانيين يكافحون لتأمين أساسيات الحياة.
التقارير تكشف أن واحدًا من كل خمسة مواطنين يعيش في حالة فقر نسبي. شبكة بنوك الطعام وزعت ملايين الطرود الغذائية العام الماضي، وهو مؤشر خطير في دولة تعد من أغنى اقتصاديات العالم.
أصوات اقتصادية قلقة
الاقتصادي سايمون ووترز يرى أن “بريطانيا تعيش أزمة إنتاجية عميقة. من دون نمو حقيقي في قطاعات التكنولوجيا والصناعة، ستظل البلاد عالقة في دوامة الديون”.
أما ليلى محمدي، الباحثة في شؤون التنمية، فتحذر من “تحول الأزمة إلى أزمة ثقة اجتماعية إذا استمر تآكل الطبقة الوسطى”.
هروب المليونيرات: حقيقة أم تهويل؟
التقارير الأخيرة تشير إلى خروج آلاف المليونيرات من بريطانيا نحو وجهات مثل الإمارات وسويسرا. البعض يرى أن الأمر مبالغ فيه، لكن محللين ماليين يؤكدون أن تغيير قوانين الضرائب على “غير المقيمين” كان عاملًا رئيسيًا في هذه الموجة.
سياسيون معارضون وصفوا الظاهرة بأنها “جرس إنذار” يعكس تراجع مكانة لندن كعاصمة مالية عالمية.
الجنيه الإسترليني
الجنيه فقد جزءًا من قيمته أمام الدولار واليورو. ضعف العملة يزيد من كلفة الواردات ويغذي التضخم.
محافظ بنك إنجلترا السابق، مارك كارني، صرّح مؤخرًا بأن “المملكة المتحدة بحاجة لاستقرار مالي طويل الأمد وإصلاحات هيكلية، وإلا سيظل الجنيه هشًا أمام أي صدمة خارجية”.
أبعاد سياسية واجتماعية
الأزمة الاقتصادية لها انعكاسات سياسية مباشرة. الحكومة تواجه ضغوطًا متزايدة من المعارضة ومن الشارع، خاصة مع تصاعد الإضرابات في قطاعات النقل والصحة والتعليم.
البعض يرى أن فشل بريطانيا في استثمار مرحلة ما بعد البريكست عمّق من أزمتها الحالية، بينما يشير آخرون إلى أن السياسات النقدية الصارمة لبنك إنجلترا زادت معاناة الأسر.
آثار محتملة على المستقبل
اجتماعيًا: اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
اقتصاديًا: تراجع القدرة التنافسية لبريطانيا مقارنة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
سياسيًا: صعود تيارات معارضة تستغل الغضب الشعبي، وربما زيادة النقاش حول جدوى سياسات ما بعد البريكست.
دوليًا: إمكانية فقدان لندن جزءًا من مكانتها كمركز مالي عالمي لصالح مراكز ناشئة في آسيا والخليج.
هل من مخرج؟
الخبراء يقترحون حلولًا متوازنة:
ضبط مسار الدين العام على المدى المتوسط.
استثمارات أكبر في البنية التحتية والتكنولوجيا.
إصلاحات ضريبية عادلة دون طرد رؤوس الأموال.
برامج دعم موجهة للفئات الأكثر هشاشة.
السياسيون بدورهم يرون أن بريطانيا بحاجة إلى إعادة بناء الثقة: ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم، وثقة المستثمرين في استقرارها المالي.
أرقام تكشف عمق الأزمة
دين عام يقترب من 2.7 تريليون جنيه
بحسب مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS)، بلغ الدين العام البريطاني في منتصف 2025 حوالي 2.69 تريليون جنيه إسترليني، أي ما يقارب 95.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا الرقم هو الأعلى منذ الخمسينيات، ويعني أن خدمة الدين وحدها تكلف الخزانة مليارات الجنيهات شهريًا.
تضخم يرهق الأسر رغم التراجع النسبي
بعد أن تجاوز التضخم حاجز 11% في 2022، تراجع تدريجيًا ليستقر عند حدود 3% منتصف 2025.
لكن خبراء يحذرون من أن التضخم الأساسي (المستثني لأسعار الغذاء والطاقة) لا يزال مرتفعًا، ما يبقي تكاليف المعيشة عبئًا ثقيلًا على ملايين الأسر.
اعتماد متزايد على بنوك الطعام
تقرير “تراسل ترست” أظهر أن عام 2024/2025 شهد توزيع نحو 2.9 مليون طرد غذائي طارئ عبر بنوك الطعام.
هذه الأرقام تمثل زيادة تقارب 50% مقارنة بما قبل جائحة كورونا، وتعكس عمق الأزمة الاجتماعية في بلد يُعد خامس أكبر اقتصاد عالمي.
الفقر يطال واحدًا من كل خمسة
إحصاءات مؤسسة “جوزيف راونتري” تشير إلى أن 22% من البريطانيين يعيشون في حالة فقر نسبي.
الأطفال هم الأكثر تضررًا، حيث يقدّر أن 4.2 مليون طفل يعيشون في أسر لا تستطيع تلبية احتياجاتها الأساسية.
الجنيه الإسترليني تحت الضغط
الجنيه، الذي كان يعادل 1.50 دولار في 2015، يتأرجح اليوم حول 1.23 دولار.
تراجع العملة رفع أسعار الواردات وزاد الضغوط التضخمية، بينما دفع الأسر البريطانية لدفع المزيد مقابل السلع الأجنبية.
أسعار الفائدة تثقل الاقتصاد
بنك إنجلترا أبقى سعر الفائدة عند 5% تقريبًا في 2025، وهو أعلى مستوى منذ 2008.
هذا القرار يهدف لكبح التضخم، لكنه جعل تكاليف الرهن العقاري والديون الشخصية أعلى، ما أدى إلى زيادة حالات التعثر بين الأسر.
هروب المليونيرات: حقيقة على الورق
تقرير “هينلي آند بارتنرز” أشار إلى أن أكثر من 9 آلاف مليونير غادروا بريطانيا بين 2017 و2025.
معظمهم توجه إلى الإمارات وسويسرا وسنغافورة. الخبراء يربطون الظاهرة بارتفاع الضرائب وتغيير قواعد “غير المقيمين”.
انعكاسات سياسية واجتماعية
هذه الأرقام غذّت حالة من الغضب الشعبي. إضرابات الأطباء والمعلمين وسائقي القطارات في 2024/2025 كانت الأوسع منذ عقود.
سياسيون معارضون يتهمون الحكومة الحالية بالفشل في استثمار مرحلة ما بعد البريكست، ما أدى إلى “تراجع القوة الشرائية، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء”.
الأرقام تكشف أن بريطانيا لا تعيش أزمة عابرة، بل أزمة هيكلية تمس الدين العام، معيشة الأسر، وجاذبية البلاد للأثرياء والمستثمرين.
المستقبل القريب سيعتمد على قدرة لندن في تحقيق توازن صعب: خفض الدين والتضخم دون خنق النمو، وحماية الطبقات الضعيفة دون إثقال كاهل المالية العامة.