باكستان تستكشف استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية

بدعم صيني

تدخل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة مع بروز تحركات دبلوماسية تقودها باكستان بدعم صيني لإحياء المفاوضات المتعثرة، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق في الخليج والبحر الأحمر، واستمرار الهجمات على الملاحة الدولية، ما يرفع من كلفة الصراع على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

وتشير المعطيات إلى أن إسلام آباد تحاول استثمار علاقاتها المتوازنة مع طهران وواشنطن وبكين والرياض لفتح نافذة تفاوض جديدة، إلا أن المهمة تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى بسبب تشابك الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

لماذا تتحرك باكستان الآن؟

يرى خبراء العلاقات الدولية أن باكستان أصبحت واحدة من الدول القليلة القادرة على التواصل مع جميع أطراف الأزمة دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيها.

ويقول الدكتور حسن عباس، الباحث في شؤون جنوب آسيا، إن باكستان تمتلك ميزة نسبية تتمثل في احتفاظها بقنوات اتصال مفتوحة مع إيران والولايات المتحدة والصين ودول الخليج، وهو ما يمنحها فرصة للقيام بدور الوسيط، لكنه يحذر من أن نجاح الوساطة سيظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية لدى الأطراف المتصارعة.

ويضيف أن أي تصعيد ميداني جديد قد ينسف أشهرًا من الجهود الدبلوماسية خلال ساعات قليلة.

الصين.. الداعم الهادئ للمفاوضات

لا تنظر بكين إلى الأزمة باعتبارها قضية سياسية فقط، وإنما باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية.

ويؤكد جوناثان فينتون هارفي، المحلل في شؤون الطاقة، أن الصين تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط القادمة من الخليج، كما أن استمرار إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب يرفع تكاليف النقل والتأمين ويهدد سلاسل الإمداد الآسيوية.

ويرى أن بكين أصبحت أكثر استعدادًا للعب دور سياسي نشط إذا كان ذلك سيؤدي إلى حماية تدفق التجارة العالمية.

كما يعتقد أندرو سمول، الباحث في صندوق مارشال الألماني، أن الصين تسعى إلى ترسيخ صورتها كقوة دبلوماسية عالمية، بعد نجاحها سابقًا في رعاية التقارب السعودي الإيراني، ولذلك فهي ترى في الأزمة الحالية فرصة لتعزيز نفوذها السياسي في الشرق الأوسط.

العقبات أمام أي مفاوضات

ورغم التحركات الجديدة، فإن قائمة العقبات تبدو طويلة.

أول هذه العقبات يتمثل في استمرار العمليات العسكرية والهجمات المتبادلة، إذ ترى الولايات المتحدة أن أي مفاوضات يجب أن تسبقها تهدئة ميدانية، بينما تعتبر إيران أن وقف الضغوط العسكرية والاقتصادية شرط أساسي لاستمرار الحوار.

أما العقبة الثانية فتتمثل في الهجمات التي تستهدف الملاحة الدولية، والتي أثارت مخاوف واسعة لدى الأسواق العالمية.

ويشير إليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط، إلى أن استمرار استهداف السفن سيؤدي إلى تراجع الثقة في أي مسار تفاوضي، لأن الدول الغربية ستعتبر أن طهران تستخدم الضغوط العسكرية لتحسين شروطها السياسية.

موقف دول الخليج

تتابع دول الخليج التحركات الدبلوماسية بحذر شديد.

فالرياض وأبوظبي والمنامة والكويت تؤكد أن أمن الملاحة وأمن الطاقة يمثلان خطًا أحمر، وأن أي اتفاق يجب أن يتضمن ضمانات واضحة تمنع تكرار الهجمات على المنشآت النفطية أو السفن التجارية.

ويرى عبد العزيز ساكر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن دول الخليج لن تعارض أي وساطة تحقق الاستقرار، لكنها لن تقبل بعودة المفاوضات إذا كانت ستمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية دون التزامات واضحة.

ويضيف أن الأمن الإقليمي أصبح جزءًا لا يتجزأ من أي تسوية مستقبلية.

الموقف الأمريكي

الإدارة الأمريكية تواجه بدورها معادلة معقدة.

فمن جهة ترغب واشنطن في احتواء التصعيد ومنع اتساع الحرب، ومن جهة أخرى لا تريد أن تبدو وكأنها تقدم تنازلات تحت ضغط الهجمات.

ويقول كينيث بولاك، الباحث في معهد إنتربرايز الأمريكي، إن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لاستئناف المحادثات إذا توافرت مؤشرات حقيقية على خفض التصعيد، لكن أي هجوم جديد على القوات الأمريكية أو الملاحة سيجعل العودة إلى طاولة التفاوض أكثر صعوبة.

الحسابات الإيرانية

في المقابل، تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة نتيجة استمرار العقوبات واضطراب التجارة.

ويرى فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز، أن طهران تدرك أهمية الحفاظ على دعم الصين، ولذلك قد تبدي مرونة تكتيكية إذا شعرت بأن ذلك سيخفف الضغوط الاقتصادية أو يمنع اتساع العزلة الدولية.

لكنه يشير إلى أن القيادة الإيرانية لن تقدم تنازلات تمس برنامجها الدفاعي أو نفوذها الإقليمي بسهولة.

انعكاسات الأزمة على الاقتصاد العالمي

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الأطراف المتحاربة.

فالاقتصاد العالمي يواجه ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري، وزيادة أسعار التأمين على السفن، واحتمالات تعطل إمدادات الطاقة.

ويقول بوب ماكنالي، رئيس مجموعة رابيدان للطاقة، إن استمرار التوتر في مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في باب المندب.

كما يشير إلى أن الأسواق أصبحت تتفاعل بسرعة مع أي تطور عسكري في المنطقة، ما يزيد من تقلبات أسعار الطاقة.

التأثير على باكستان

ورغم قيامها بدور الوسيط، فإن باكستان نفسها ليست بعيدة عن المخاطر.

فالبلاد تعتمد على المساعدات والاستثمارات الخليجية، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الصين، كما تمتلك حدودًا طويلة مع إيران.

ويرى مايكل كوجلمان، مدير معهد جنوب آسيا في مركز ويلسون سابقًا، أن أي انحياز واضح من إسلام آباد قد يضر بعلاقاتها مع أحد شركائها الرئيسيين، ولذلك تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين جميع الأطراف.

ردود الفعل الدولية

رحبت الصين بأي جهود وساطة جديدة، مؤكدة دعمها للمسار السياسي واستعدادها للمساهمة في استعادة الاستقرار.

في المقابل، تراقب العواصم الأوروبية التطورات بحذر، مع دعوات متكررة لتجنب التصعيد وإعادة إطلاق المسار الدبلوماسي.

كما تواصل الأمم المتحدة التأكيد على ضرورة حماية الملاحة الدولية واحترام القانون الدولي، محذرة من أن استمرار الهجمات قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

أما الأسواق المالية، فقد أبدت حساسية كبيرة تجاه الأنباء المتعلقة بالوساطة، إذ يراهن المستثمرون على أن نجاح أي مفاوضات قد يسهم في خفض المخاطر الجيوسياسية واستقرار أسعار الطاقة.

التحديات التي تواجه الوساطة

تواجه المبادرة الباكستانية عدة تحديات رئيسية، أبرزها:

استمرار العمليات العسكرية والهجمات البحرية.

انعدام الثقة المتبادل بين واشنطن وطهران.

تشابك الملفات النووية والعسكرية والإقليمية.

ضغوط الحلفاء الإقليميين على جميع الأطراف.

حساسية الموقف الصيني في ظل تنافسه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

الخشية من انهيار أي اتفاق بسبب حادث أمني مفاجئ.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

يرى محللون أن المشهد قد يتجه إلى أحد ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأول يتمثل في نجاح الاتصالات التمهيدية وبدء جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة، وهو السيناريو الذي قد يخفف من التوتر ويعيد فتح مسارات التجارة تدريجيًا.

أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار الاتصالات السياسية دون تحقيق اختراق حقيقي، مع بقاء التصعيد العسكري ضمن مستويات يمكن احتواؤها.

بينما يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، في انهيار الجهود الدبلوماسية بالكامل نتيجة استمرار الهجمات أو توسعها، الأمر الذي قد يدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة ويضاعف الضغوط على الاقتصاد العالمي.

تكشف التحركات الباكستانية المدعومة صينيًا عن إدراك متزايد بأن استمرار الصراع لم يعد يهدد أمن الشرق الأوسط وحده، بل أصبح يشكل تحديًا مباشرًا للتجارة العالمية وأسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي الدولي.

ومع ذلك، فإن نجاح أي وساطة لن يعتمد فقط على قدرة إسلام آباد أو بكين على تقريب وجهات النظر، بل على استعداد واشنطن وطهران لتقديم تنازلات متبادلة، ووقف التصعيد العسكري الذي يقوض الثقة ويجعل أي تقدم دبلوماسي هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة.

وفي ظل هذا الواقع، تبقى فرص استئناف المفاوضات قائمة، لكنها ستظل مرتبطة بقدرة الأطراف على تحويل التهدئة الميدانية إلى مسار سياسي مستدام يضمن أمن الملاحة ويخفض مستوى التوتر في المنطقة.

اترك تعليقا