باب الدولة المخلوع

أحمد عزام يكتب

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 صار العالم يعتاد على فكرة مرعبة ببساطتها، وهي أن الاستثناء لم يعد استثناء، وأن الباب الذي كان يفصل بين الداخل والخارج، بين الدولة وما حولها، صار قابلا للكسر، ثم إعادة تركيبه بجملة رسمية “لأسباب أمنية”. 
في غزة استمرت الحرب حتى بعد اتفاقات وقف إطلاق النار، مع بقاء القصف والقتل والخراب، كما لو أنها تفاصيل تشغيلية في يوم عمل طويل. وفي سوريا لم تعد عبارة “سقوط النظام” مجرد عنوان في كتب التاريخ، بل صارت حدثا قريبا فتح مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، تتنازعها أسئلة السلطة والشرعية والسلاح والهوية. وفي هذا المناخ جاءت فنزويلا لتضيف إلى القاموس السياسي كلمة أكثر فظاظة من الحرب نفسها “الإدارة”.
لنبدأ من المشهد الذي لن تنساه كاراكاس سريعاً، إنزال أمريكي خاطف، اقتحام، ثم خروج بزوجين من غرفة نومهما ليظهرا بعد أيام في محكمة فيدرالية في مانهاتن. نيكولاس مادورو قال في أول ظهور له، إنه خُطِف ورفض التهم الموجهة إليه، وطلب فريق دفاعه التعامل معه كرئيس دولة يتمتع بحصانة. فيما قالت واشنطن، إنها لا تعترف به رئيسا شرعيا. وما يهمنا هنا ليس ملف الاتهامات نفسه، بقدر ما يهمنا ما تسرب سريعا إلى اللغة، حديث عن تشغيل فنزويلا، وعن دور أمريكي في إدارة البلد وثروته النفطية، وكأن الدولة تحولت إلى منشأة تحتاج مديرا مؤقتاً. الفارق بين السيادة والإدارة، يبدو لأول وهلة لغويا، لكنه في العمق هو فرق بين عالمين. السيادة حتى في صيغتها المتعبة تعني أن للدولة باباً، بابا سياسيا وقانونيا ورمزيا. قد تُعاقَب الدولة، تُحاصَر، تُدان لكنها تبقى بيتا له حرمته، حتى لو كان بيتا سيئا. أما الإدارة فتتعامل مع البيت كموقع، موقع فيه سكان وموارد ويمكن الدخول إليه إذا توافرت مبررات الدخول، ثم إعادة ترتيب الغرف وفق خطة تشغيل. هنا تصبح الحدود مثل قفل برمجي ذكي، من يملك التطبيق المناسب يفتحه، ومن لا يملكه يُطلَب منه الصمت حفاظاً على الأمن.
ومن هنا يبدأ الانزلاق الكبير.. حين تكسر الباب، أنت لا تكسر خشباً وحديدا فقط، بل تكسر معنى السياسة. فالسياسة تقوم على ان الناس يختلفون داخل إطار من الاعتراف المتبادل، هذا شعب وهذه دولة، وهذا نزاع وهذه تسويات، أما الإدارة فهي نقيض السياسة، هي تحويل النزاع الى مسألة ضبط، وتحويل الشعب إلى ملف خدمات وأمن، وتحويل التاريخ إلى مذكرة داخلية، وهي بالمناسبة وصفة ممتازة لإنتاج شيء واحد مضمون وهو الغضب الهوياتي. هذا ليس كلاما إنشائياً، من يقرأ القرن الماضي والحاضر، يلاحظ نمطا يتكرر بملامح مختلفة. حين تُستبدل السيادة بإدارة، تنتهي اللعبة السياسية ويبدأ سباق الهوية. في لحظات الإدارة الطويلة يصبح سؤال الناس “من نحن”، قبل أن يصبح “كيف نعيش”. لأن الرفاه يمكن التفاوض عليه، أما الإهانة السيادية فتصير دَينا في الذاكرة. قد تكره حاكما بعينه لكنك لا تنسى صورة الإذلال التي حدثت بالنيابة عنك. وحين تغلَق السياسة تخرج هوية ما لتقوم بدور البديل، هوية دينية قومية ثأرية، أو مزيج منها حسب السوق المحلية.
من يتبنى الإدارة يعتقد أنه يربح سريعاً، ترتيبا سهلا، حليفا مؤقتا، نفطا يعود إلى السوق، وقوة في أبهى صورها تُعرَض على الشاشات وتُرعِب خصومها، لكنه في الحقيقة يراكم خسارة بعيدة المدى، لأنه يدفع الناس إلى معسكر استعادة الكرامة بأي ثمن. وهنا تُفتح الأبواب للصين وروسيا، لا بوصفهما خلاصاً، بل بدائل، لأن كسر الباب لم يكن على أيديهما. الصين لا تحتاج أن تطلق رصاصة كي تربح، يكفي أن تقف جانبا تراقب الباب وهو يُكسر ثم تأتي لاحقاً بعقد هادئ، استثمار، قروض، بنى تحتية، شراكات، والأهم وعد ضمني بأن أبوابكم ليست مسرحا لعملياتنا. لا يعني هذا أن بكين قديسة، بل يعني أنها تفهم السوق النفسي، ففي لحظات الإهانة، يصبح البديل الذي لا يصفعك على العلن أكثر قبولاً من الذي يصفعك ثم يعدك بالتحسين. وهكذا ما يبدو اليوم خسارة للصين في فنزويلا قد يتحول غداً الى ربح في النفوذ الرمزي والسياسي، حين تبدأ أمريكا اللاتينية بالبحث عن توازنات جديدة.
لكن لماذا يُصِر الغرب على الخلطة نفسها، على الرغم من أنه يعرف الفاتورة المؤجلة؟ لأن النظام الذي ينتِج القرار يكافئ النجاح السريع ويعاقب التفكير البعيد. فالانتخابات قصيرة النفس، والأسواق عصبية، والإعلام يحب مَشاهد إلقاء القبض أكثر مما يحب مَشاهد بناء المؤسسات، ومراكز القرار تُفضل حلولاً قابلة للقياس، مثل عدد المعتقلين عدد الضربات عدد البراميل عدد الاتفاقات. أما ما لا يقاس بسهولة، مثل الغضب المتراكم، الهوية الجريحة، والتحولات الاجتماعية فيترك للمستقبل… أي لشخص آخر. ثم هناك سبب أكثر عمقاً وأكثر إحراجاً، السيادة في المخيلة الغربية تشبه حقوق الإنسان، فهي ليست مفهوما موزعاً بالتساوي. السيادة الكاملة تُفهم جيدا حين تكون داخل أوروبا وحولها، وتصبح قابلة للتفاوض حين تتعلق بأطراف العالم، لذلك يصبح تخيل إدارة بلد في الجنوب أمرا وارداً بينما يصبح تخيل إدارة بلد في الشمال مادة لفيلم كوميدي. هذا الخلل هو الذي يجعل بعض الساسة يتحدثون عن دول كاملة، كما يتحدثون عن طفل قاصر يحتاج وصياً.
في فنزويلا سيحاول كثيرون إقناع الناس بان المسألة تقنية، نحنُ أخرجنا مشكلة وسندير الانتقال. لكن الباب الذي كُسر لا يعود كما كان، حتى لو جاء بعده باب أجمل وبمفصّلات أحدث، لأن المشكلة ليست في الخشب، بل في الرسالة.. “يمكننا دخول غرف نومكم إذا قررنا أن هذا يخدم المصلحة”، وهذه الرسالة إن ترسخت لا تخلق استقرارا، بل تخلق ذاكرة مقاومة تبحث عن أي راية ترفعها، وحين تُرفع الرايات تبدأ القوى الكبرى المنافِسة بجني الثمار، لأنها تصل متأخرة إلى حفلة بدأها غيرها، حفلة الثأر للسيادة.
الخلاصة البسيطة، إن اعتقال رئيس دولة بهذه الطريقة، لا ينهي أزمة، بل يغير قاموس العالم من سيادة إلى إدارة، ومن سياسة إلى ضبط، ومن تفاوض الى اقتحام. وفي عالم يعاني اصلاً من اتساع الاستثناء بعد السابع من أكتوبر، قد تكون أخطر هدية يمكن تقديمها لخصوم الغرب، هي تثبيت فكرة أن الدول أبواب بلا حرمة. وإذا كان لا بد من جملة تكتب على حافة الباب المكسور فهي: لا تراهن على أن الناس ينسون الإهانة لأنك وعدتهم بخدمات أفضل. الناس قد يتنازلون عن الكثير لكنهم نادراً ما يتنازلون عن معنى أن يكون لبيتهم باب.

القدس العربي