ايقاعان يتحدد بهما المستقبل العربي

د. وليد عبد الحي يكتب

يشير الاتجاه الغالب في الدراسات المستقبلية الى ان “التغير” هو الاتجاه الذي لم يغادر حلبة التاريخ يوما، لكن يتوارى في باطن هذا الاتجاه مؤشر تنامى عبر مراحل التاريخ وهو التزايد التدريجي في “سرعة إيقاع التغير”، ويميل اغلب العلماء الى اعتبار المسؤول المركزي عن هذا التزايد هو “التطور التكنولوجي”، والذي يرى علماء الدراسات المستقبلية انه انتقل من مدى زمني يُقدر بأكثر من أربعين قرنا (ما بين تدجين الحيوان( 8000 ق.م) واختراع العجلة(3500 ق.م)، بينما تصل سرعة التغير حاليا (المنحنى السوقي Logistic Curve ) 25 عاما، وتكفي الإشارة الى انه يتم إضافة أربعة آلاف مصطلح علمي جديد سنويا وهو تعبير عن حجم التغير في المنظومة المعرفية للبشر، وان معدل التغير في شبكات الترابط العولمية يتزايد بمعدل يومي تتماهى في الحدود لراس المال والثقافة والمناخ…الخ.

ومقابل الإيقاع المتسارع للتغير، لا بد من ” تكيف “(Adaptation) يجاري هذا التغير في اتجاهه الخطي أولا وفي ايقاعه ثانيا، وهو ما يستوجب التغير في أنماط التفكير وفي أدوات العمل وفي الكثير من الغايات المنشودة وفي المؤسسات التي يوكل لها مواجهة ذلك التغير.

وتعد المسافة الفارقة بين إيقاع التغير وايقاع التكيف او فجوة التكيف (Adaptive Lag) كما اسماها وليم أوغبيرن عام 1922 هي مصدر الشرور كلها على كل المستويات بدءا من الفرد والاسرة وصولا الى النظام الدولي والعولمة، ويمكن قياس الفارق بين المجتمعات وتحديد مستقبلها من خلال إيجاد نموذج لقياس المسافة بين إيقاع التغير وايقاع التكيف وتحديد هل المسافة تزيد ام تتقلص، وبالتالي تحديد مستقبل أي مجتمع او دولة او أي نسق انساني بين الفرد والعولمة.

ان التغير التكنولوجي بمعناه الواسع، يرافقه التغير المناخي المرتبط به في بعض جوانبه، يُكرهان كافة الانساق الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية على مواجهة خيارين لا ثالث لهما، إما التكيف او اللحاق بالديناصور.

قياس فجوة التكيف:

ثمة نموذجان لقياس فجوة التكيف هما:

Notre Dame Global Adaptation Initiative Index -1

UNEP Adaptation Gap -2

يقتصر نموذج نوتردام على قياس التكيف المناخي استنادا الى أربعين مؤشرا فرعيا، وتبدو من نتائج القياس لهذا الجانب ان الدول العربية تقع كلها دون 60% من القدرة التكيفية. كما يغطي التقرير الثاني( برنامج الأمم المتحدة للبيئة)

(UN Environment Programme )

الجانب الاقتصادي لموضوع المناخ مشيرا في تقريره الأخير الى :

أ‌- تقدر قيمة الاحتياجات العالمية للتكيف مع مشاكل المناخ ب (310-365 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2035)، وتقدر التدفقات الحالية (26 مليار دولار في عام 2023)، مما يُسبب عجزًا سنويًا يتراوح بين 284 و339 مليار دولار.

ب‌- عبء الديون: يأتي أكثر من نصف تمويل التكيف على شكل قروض، مما يُفاقم ديون الدول النامية.

ولعل هذه المؤشرات تؤكد ان الوضع العربي في ظل فجوة التمويل من ناحية وتردي وثقل أعباء المديونية من ناحية أخرى سيزداد سوءا.

اما البعد الآخر في آليات التكيف فهو مؤشر الهشاشة الذي يشير بشكل قاطع الى أن حوالي 92% من العرب يعيشون بفجوة تكيفية تقدر بما هو دون 50% من مقتضيات التكيف. ويتم قياس الهشاشة من خلال المؤشرات التالية:

-1 التماسك الاجتماعي: الأجهزة الأمنية، الانقسام النخبوي، المظالم المجتمعية.

-2 الوضع الاقتصادي: الفقر، التنمية غير المتكافئة، الهجرة بخاصة من ذوي الكفاءات

-3 سياسية: شرعية الدولة، الخدمات العامة، سيادة القانون، حقوق الانسان.

4 – البنية المجتمعية: الزيادة السكانية، اللاجئون والنازحون،

5 – البيئة الدولية: درجة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي.

فإذا أرفقنا بذلك مؤشر نسبة الانفاق على البحث العلمي لاستيعاب التطور التكنولوجي والمساهمة فيه لتوفير ميكانيزمات التكيف والتخطيط للتكيف يتبين لنا ان معدل الانفاق العربي العام لم يتجاوز 0.58% من اجمالي الناتج المحلي، مما يضعنا ضمن أطراف ذيل دول العالم، مقابل إنفاق 5.56% في إسرائيل (وهي بذلك تحتل المرتبة الأولى عالميا).

ذلك يعني أن أي توقعات بتقليص الفجوة التكيفية في العالم العربي لا تستند في المدى المتوسط الى أي أساس علمي، وفي تقديري ان تراجع نصيب النفط في الطاقة العالمية بسبب ضغوط المناخ ونضوب متزايد لآبار النفط العاملة حاليا ولتراجع معدلات الاكتشافات الجديدة لحقول النفط ولتزايد حصة مصادر الطاقة النظيفة والتحول في بعض قطاعات الإنتاج الصناعي نحو مصادر غير النفط للطاقة، يعني ان عماد الاقتصاد العربي سيكون خلال العقود الثلاث او الأربع القادمة تحت ضغط شديد مما يزيد من اتساع الفجوة التكيفية العربية.، فهل يستبين قومي الرُشد قبل ضحى الغد؟.

ربما.

المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية