انتهى حفل المهرجين..وسقطت هيبة واشنطن

محمد أمين أبوسكينة

​تتداعى اليوم هيبة القطب الأوحد تحت وطأة انكشاف استراتيجي حاد، ونضوب واضح في القدرات القيادية والاستراتيجية لصناع القرار في واشنطن. نحن نتابع فصلاً أخيراً من “حفل للمهرجين” يُدار بملفات ابتزاز وفضائح شخصية ومصالح فردية ضيقة، مما حول القرار السيادي الأمريكي إلى مجرد أداة منقادة لأجندات خارجية تخدم اليمين الصهيوني، وسط حالة من تخبط قيادي أفقد واشنطن قدرتها على الاتزان في التعامل مع الأزمة الحالية.
​هذا التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تعمد الإدارة تفريغ البنتاغون ومؤسسات الدولة العميقة التي تتخذ القرارات الاستراتيجية من عقولها الوازنة، واستبدالهم بشخصيات استعراضية تفتقر للعمق الميداني والخبرة الحقيقية، ولا تملك سوى التماهي مع التوجهات السياسية الراهنة. هذا التفكيك المؤسسي أفقد واشنطن “صمام الأمان” الذي كان يمنع الانزلاق نحو مغامرات انتحارية، وجعلها تعجز تماماً عن قراءة واقع الردع الحقيقي الذي فرضته القوى الدولية والإقليمية على الأرض.
​ولم يقتصر العجز على الميدان العسكري فحسب، بل امتد ليخنق الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي؛ فمنذ إغلاق مضيق هرمز، وقف صقور واشنطن مشلولين أمام القفزات الجنونية لأسعار الطاقة التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، لتضع المواطن الأمريكي وجهاً لوجه أمام جحيم التضخم، وتضع الإدارة أمام حقيقة انكسار هيبتها الاقتصادية.
​لقد أثبتت التداعيات الميدانية أن عقيدة “الضغط الأقصى” قد تحطمت نهائياً في مواجهة التغيرات التي طرأت على توازنات القوى في الساحة الدولية والإقليمية، وأمام تطور القدرات الدفاعية والصاروخية الإيرانية، الأمر الذي سيجعل أي تجدد للتحركات العسكرية في الوقت الراهن بمثابة “انتحار استراتيجي”. ومع وصول الإدارة إلى طريق مسدود، تجد واشنطن نفسها اليوم مجبرة على المفاضلة بين قبول العرض المطروح على الطاولة كأمر واقع، أو مواجهة انهيار عسكري شامل في المنطقة نتيجة فقدان القدرة على المبادرة، بالتوازي مع انفجار اقتصادي داخلي في أمريكا يضعها على حافة الفوضى.
​وفي خضم هذا الارتباك، جاءت الصدمة الكبرى من الشرق عبر تحرك الأسطول الصيني في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز لحماية إمدادات الطاقة، ولكسر الحصار الأمريكي المفروض على إمدادات الطاقة الإيرانية المتجهة إلى الصين، لتضع المسمار الأخير في نعش الهيمنة المنفردة وتنهي عصر العربدة الأمريكية بلا رجعة. وقد أثبت عجز صناع القرار في واشنطن عن إبداء أي رد فعل ميداني حقيقي تجاه هذا التحرك، أن تهديداتهم تحولت لمجرد “فرقعات صوتية” تفتقر للقدرة على الفعل أمام قوة عظمى تحركت لتحمي مصالحها الحيوية وتفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً.
​إن الحالة النفسية غير المتزنة للقيادة تحت وطأة الضغوط التي تحاصرها من كل جانب، علاوة على الارتهان لملفات ابتزاز وفضائح ومصالح فردية ضيقة، وتعاظم فجوة تعارض المصالح بينها وبين حلفائها في “الناتو” الذين باتوا يرفضون دفع ثمن المغامرات الأمريكية من أمنهم واقتصادهم، ستؤدي في النهاية إلى عزل أمريكا دولياً وفرض الإذعان للأمر الواقع. لقد أُسدل الستار، ولم يعد على المسرح من متسع لعبث وتهريج إضافي؛ فالحرب والسياسة واقع تصنعه موازين القوى الحقيقية، لا خيالات مريضة لأفلام هوليودية من الدرجة الثالثة.