اليوان يزاحم الدولار في معركة النفط

طهران تربط النفط باليوان وبكين تدعمه بالذهب

في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، برز ما يمكن وصفه بـ”سلاح اليوان” كأحد أبرز الأدوات الاقتصادية في المواجهة غير المباشرة بين القوى الكبرى، خاصة مع دخول إيران على خط استخدام العملة الصينية في تجارة النفط.

ويرى خبراء اقتصاديون أن ربط اليوان بشكل غير مباشر بالذهب، بالتوازي مع استخدامه في تسوية صفقات النفط الإيرانية، قد يمثل تحولًا استراتيجيًا عميقًا في بنية النظام المالي العالمي.

اليوان في قلب الصراع

تزامن تصاعد هذا التوجه مع اندلاع حرب الأربعين يومًا، التي بدأت في 28 فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وخلال هذا الصراع، استغلت طهران موقعها الاستراتيجي وسيطرتها على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، لفرض واقع جديد.

حيث ربطت عبور ناقلات النفط بدفع الرسوم باستخدام اليوان الصيني، في خطوة غير مسبوقة، أكدت تقارير تنفيذها فعليًا من قبل سفينتين على الأقل.

في المقابل، تعمل الصين على تعزيز احتياطياتها من الذهب بشكل متسارع، إلى جانب تطوير بنية تحتية متكاملة تشمل بورصة شنغهاي للذهب، وشبكة خزائن ضمن مشروع استراتيجي يُعرف بـ”ممر الذهب” داخل دول البريكس.

ورغم عدم تبني أي دولة رسميًا لمعيار الذهب، فإن بكين تواصل شراء كميات ضخمة منه، ما يعزز فرضية وجود توجه نحو “يوان مدعوم بالذهب” بشكل غير رسمي.

وتُعد الصين أكبر منتج ومستهلك للذهب عالميًا، ما يمنحها ميزة استراتيجية في دعم عملتها وتعزيز جاذبيتها الدولية.

هل يصبح اليوان عملة احتياط عالمية؟

تقليديًا، يرتبط الذهب بالاستقرار، واستخدامه كغطاء للعملات يعزز الثقة بها، وهو ما قد يدعم اليوان ليصبح عملة احتياط عالمية.

ويأتي ذلك في وقت تتراجع فيه هيمنة الدولار تدريجيًا على الاحتياطيات العالمية، ما يفتح الباب أمام نظام مالي متعدد الأقطاب.

لكن هذه العملية لا تخلو من المخاطر، إذ أن تقلبات أسعار الذهب قد تؤثر على استقرار اليوان، وهو ما تحاول بكين الحد منه عبر استخدام آليات مثل المتوسط المتحرك لآخر 200 يوم تداول لتحديد سعر مرجعي أكثر استقرارًا.

النفط الإيراني.. كسر احتكار الدولار

لطالما كان النفط يُتداول بالدولار، ما عزز من هيمنته لعقود، لكن خطوة إيران باستخدام اليوان والعملات المشفرة في تسوية الصفقات، تمثل تحديًا مباشرًا لهذا النظام.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل العقوبات الأمريكية، حيث توفر التسويات باليوان وسيلة للالتفاف على القيود المالية، خاصة أن الصين تُعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.

وقد يؤدي توسع هذه الممارسات إلى تقويض هيمنة الدولار على تجارة الطاقة عالميًا.

يحذر بعض الخبراء من أن هذه التحركات قد تُفسر كتصعيد مباشر ضد الولايات المتحدة، خاصة في ظل التوترات العسكرية المستمرة.

ويرى الخبير الروسي أليكسي غرومسكي أن تسوية النفط باليوان قد تجعل إيران هدفًا مباشرًا للولايات المتحدة على المدى القصير.

نظام مالي جديد قيد التشكل

في المقابل، يرى خبراء آخرون أن العالم يتجه بالفعل نحو نظام مالي متعدد العملات، حيث أشار ألكسندر أنتوشين إلى أن هيمنة الدولار لم تعد كما كانت في التسعينيات.

وأوضح أن عملات مثل اليورو واليوان والروبية الهندية بدأت تكتسب حضورًا متزايدًا، مدعومة بسياسات مثل “إزالة الدولرة” التي تقودها روسيا.

يشير التلاقي بين دعم اليوان بالذهب واستخدامه في تجارة النفط إلى تحول استراتيجي قد يعيد رسم ملامح النظام المالي العالمي.

لكن، ورغم تسارع هذه التحولات، يبقى مستقبل “اليوان الذهبي” مرهونًا بعوامل معقدة تشمل التوازنات الجيوسياسية، واستقرار الاقتصاد الصيني، وردود فعل القوى الدولية.