النفس البشرية اعتياد النعم واعتياد النجاة

د محمد علي يوسف يكتب

من أعجب خصائص النفس البشرية أنها لا تعتاد النعم وحدها…

هي تعتاد النجاة أيضًا…
تعتاد ألا تشعر أو تلحظ عاجلا عواقب أعمالها..
تمر بها المعصية، ثم تمضي الساعات هادئة.. . لا تنشق الأرض ولا تسقط السماء، ولا يتغير شيء في العالم من حولها.
ثم يعصي ثانية.
ثم ثالثة ورابعة.. .
ويطلع الصباح مرة بعد مرة في موعده المعتاد، وتشرق الشمس كما كانت..
يحتسي قهوته الصباحية ويذهب إلى عمله في موعده.. يضاحك زملاءه ويمضي يومه وكأن شيئًا لم يكن .
ومع كل صباح يمر بسلام يبدأ القلب في إساءة فهم هذا الصمت.
يحسب الإمهال أمانًا ويترجم حِلم الحليم رضا عنه ويتوهم أن النجاة المتكررة أصبحت حقًا مكتسبًا.
حال أشبه بسجين محكوم عليه بالإعدام يستيقظ بعد الحكم كل صباح مذعورًا على وقع خطوات الحارس تقترب من زنزانته.
يصطك المفتاح في الباب.
ثم ينفتح.
يكاد قلبه أن يتوقف..
يوضع الطعام ثم يغلق الباب من جديد..
في اليوم الأول كاد يموت من الرعب.
وفي اليوم الثاني كان يرتجف.
في اليوم العاشر كان قد هدأ..
ثم تمضي الأسابيع والخوف يفقد حدته شيئًا فشيئًا.
مع مرور الأيام يحدث أمر بالغ الغرابة
لقد اعتاد المهلة وألف النجاة!
الحكم لم يتغير..
لكن المحكوم عليه هو من فعل..
هو من بدأ عقله في اختراع تفسيرات مطمئنة..
لعلهم قد نسوه
لعل الحكم أُلغي أو ربما يدبرون له عفوا ما…
وما الذي يمنع أن يكون اسمه قد سقط من السجلات؟
الحق أن شيئا من ذلك لم يحدث
الحكم كما هو لكنه فقط كان يؤجل اللحظة الأخيرة.
وسيأتي صباح يفتح فيه الباب للغرض الآخر..
ولن يُغلق بعده أبدًا.

نفس هذا المسار هو ما يسير عليه المخطيء في قراءة الإمهال الإلهي.

ليس كل تأخر في العقوبة علامة رضا، كما أن سرعة العقوبة ليست دائمًا علامة غضب لكن النفس البشرية، حين تطول بها المهلة، تبدأ في إساءة قراءة الصمت.
وتنسى أن الحليم هو نفسه شديد العقاب وتتغافل عن كون من أخر الحساب… لم يلغ الحساب وهو نفسه سريع الحساب..

أخطر ما يفعله سوء قراءة الإمهال أنه يعيد تشكيل تصور الإنسان عن نفسه وأفعاله.
يظن أنه استثناء وأن القوانين التي أخذت غيره لن تأخذه و السنن التي أطاحت بالأمم قبله ستتوقف عنده احترامًا لغروره.
هنالك يبلغ الوهم ذروته.
﴿وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ یُبۡصِرُونَ. أَفَبِعَذَابِنَا یَسۡتَعۡجِلُونَ. فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَاۤءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِینَ﴾.
تأمل أول كلمة من تلك الآيات من سورة الصافات التي تصور هذه اللحظة النفسية العجيبة
﴿وَأَبۡصِرۡهُمۡ﴾.
آيات تدعوك إلى أن تنظر إلى هذا المشهد بتدبر .
أن تنظر كيف يصنع الإمهال في النفوس..
كيف يتحول تكرار النجاة إلى شعور زائف بالحصانة.
وكيف يغدو الغرور عقيدة يعيش بها المغتر.
ثم تأتي المقابلة المذهلة:
﴿وَأَبۡصِرۡهُمۡ… فَسَوۡفَ یُبۡصِرُونَ﴾.
أنت تبصر الآن ما لا يبصرونه وترى النهاية التي يعجزون عن رؤيتها.
لكن سيأتي يوم تنقلب فيه المواقع ليس لأن الحقيقة تغيرت ولكن لأن الغيب الذي أنكروه صار شهادة، والمستقبل الذي كذبوا به صار حاضرًا يحيط بهم من كل جانب.
وسيُبصرون…
ولكن بعد فوات زمن الإبصار.
فليس كل بصر ينفع.
كم من إنسان لم ير الحقيقة إلا حين لم يعد في الدنيا متسع لخطوة واحدة نحوها.

بعد ذلك يأتي السؤال الاستنكاري الذي يفضح كل من قرأ الإمهال على غير حقيقته..
﴿أَفَبِعَذَابِنَا یَسۡتَعۡجِلُونَ﴾.
يالها من مفارقة
لا يكتفي بأن يغتر بالمهلة والحِلم… ولكن يبدأ في تحديهما.
يقف على حافة الهاوية فيمد قدمه أكثر، ثم ينظر حوله ساخرًا لأن لم يسقط بعد!
يفعل الذنب بعد الذنب، ثم يقول بلسان حاله أين العقوبة إذًا؟
ولو أنه أدرك معنى الإمهال على وجهه، لارتعد من أول مهلة، لا من أول عقوبة.

ثم تأتي الضربة الأخيرة في الآيات لتهدم كل أوهام الأمان دفعة واحدة
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَاۤءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِینَ﴾.

تأمل الكلمة المختارة.
﴿بِسَاحَتِهِمۡ﴾.
الساحة هي فناء الدار.
المكان الذي يشعر فيه الإنسان أنه داخل حدوده الآمنة.
حيث يدلف مطمئنًا أنه قد وصل إلى مكانه.
وحيث تتوقف حدرد العالم الخارجي عند بابه.

لكن العذاب حين ينزل فلا يقف عند أسوار.
هو يعبر كل الحدود ويهوي في قلب المساحة التي ظنها يوما أكثر الأماكن أمنًا.

حينئذ يسوء الصباح..
لكن لماذا الصباح ؟
الصباح في ذاكرة الإنسان هو بداية جديدة.
نافذة تُفتح ونور يتسلل.
رائحة خبز طازج وزقزقة عصافير وخطط ليوم حافل..
لكن حين تنتهي المهلةرقد يتحول أكثر أوقات اليوم أملا وإقبالا إلى أكثرها رعبًا.

يستيقظ الإنسان على صباح كان يظنه امتدادًا للأمس فيكتشف أنه بداية سداد ديون مؤجلة..

لهذا لم يكن العذاب وحده هو المصيبة ولكنها المباغتة.
أن يأتي في اللحظة التي اطمأن فيها القلب أكثر من أي وقت مضى.
وأن يوقن الإنسان، في لحظة لا تنفع فيها المعرفة، أن المهلة الطويلة لم تكن علامة نجاة قط…
لقد كانت آخر أبواب الحِلم ليرجع وآخر فرص الرحمة التي كان يمر بها كل يوم دون أن يلتفت إليها.

لذلك يتكرر التوجيه مرة أخرى تأكيدا وتقريرا
﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾.
القضية قد حُسمت فلا تستهلك عمرك في محاولة إقناع من أغلق قلبه.
لقد بلغهم البلاغ، وأقيمت عليهم الحجة، ولم يبق إلا أن يدور الزمن دورته حتى يصل كل إنسان إلى الموعد الذي كتبه الله له.
﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
مرة اخرى تكرار للتأكيد..
لكن ثمة اختلاف في الصياغة والضمير
في الأولى جاء الأمر:
﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
أما في الثانية ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
كأن في المرة الأولى كان البصر متعلقًا بهم..
انظر إليهم وهم يسخرون، ويستعجلون العذاب، ويحسبون الإمهال نجاة ثم انظر إليهم حين يتحقق الحكم الذي تغافلوا عن وقوعه..
أما الثانية فقد اتسع فيها الأفق.
لم يعد المقصود أن تشغل بصرك بهم، وإنما أن تثبت بصرك على وعد الله.
هذا الموضع ينقلك من مراقبة أفعال المكذبين، إلى مراقبة سنن الله فيهم.
ألا تجعل قلبك أسير اللحظة، ولا تزن الحق بما تراه في يوم أو عام، ولا تستعجل الفصل الأخير من القصة.
دعهم ينشغلون بالحاضر…
وأشغل قلبك أنت بالمآل.
سيبصرون هم أيضًا، لكن حين يصبح البصر يقينًا لا يملك أن يغيّر المصير..
وتنكشف الحقيقة لكن بعد أن انقضى زمن الإبصار..
والاختيار.

اترك تعليقا