المنصف المرزوقي والفتنة الكبرى على «فرانس 24»!
سليم عزوز يكتب
- dr-naga
- 2 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- «فرانس 24», الفتنة الكبري, المنصف المرزوقي, سليم عزوز
ما أشبه الليلة بالبارحة، والمشترك بينهما هو المنصف المرزوقي، وكانت الليلة في قناة «فرانس 24»، أما البارحة فكانت في برنامج «الاتجاه المعاكس» في قناة «الجزيرة»، والفارق الزمني هو 18 عامًا؛ أي أن من ولد ليلتها لا بد أن يكون قد نجح في الثانوية العامة، وفي طريقه للالتحاق بالجامعة، وهي فترة جرت خلالها في النهر مياه كثيرة، أنتجت صفة لصاحبنا، هي رئيس تونس السابق، أو الأسبق. يقولون إن «الأسبق» مفردة ليست صحيحة، ولكن كما قال أهل البادية: خطأ معروف أفضل من صواب مهجور. والله أعلم!
الذي ذكرنا بما مضى هو مقابلة المنصف المرزوقي في قناة «فرانس 24»، والتي أزعجت القابع في قصر قرطاج، فكلف من فوره، ومن سرير مرضه، وزارة الخارجية باستدعاء السفيرة الفرنسية في تونس، وإبلاغها احتجاج القصر على هذه الاستضافة، والضيف مطلوب للعدالة، واعتبر القصر المقابلة استهدافًا لأمن تونس القومي، ودعوة للفتنة. وإن لم يحدد حجمها، فهل هي الفتنة الكبرى؟!
ليكون هذا الإجراء هو الأول من نوعه، وقد عاصرنا غضبة الحكومات العربية على قناة «الجزيرة»، وكان رد الفعل في الهجوم عليها، أو إغلاق مكاتبها وسحب الاعتراف بها، لكن لا أتذكر أن دولة من دول الديكتاتوريات العربية قد تجاوزت ذلك إلى استدعاء السفير القطري وإبلاغه الاحتجاج شديد اللهجة على ذلك. وفعلتها الجزيرة أكثر من مرة مع المعارض التونسي المنصف المرزوقي من قبل، وغيره، بيد أن تونس فيما مضى كانت مكتفية بعدم فتح مكتب للقناة، بل حتى لم تجعل من التونسيين العاملين فيها هدفًا للتصنيف كمعارضين. وفي مصر مرت التجربة بمرحلتين:
الأولى، في عمل مراسلها في القاهرة بدون تصريح، مما تسنى لوزير الإعلام صفوت الشريف أن يقول إنه لا يوجد للجزيرة مكتب في القاهرة لإغلاقه، ثم تم الاعتماد، وقبله وبعده لم يتعرض العاملون فيها لأية مضايقات سلطوية.
والمرحلة الثانية، كانت مفاجأة لي أن يعلن وزير الإعلام صفوت الشريف بنفسه أنهم بصدد إسقاط الجنسية المصرية عن صلاح نجم، مدير التحرير فيها، وكان هذا مبعثًا لهجومي عليه؛ فالجنسية المصرية ليست منحة من الحكومة يجوز سحبها، ولم أفهم أن الوزير كان يلتف على حملة يقوم بها رئيس تحرير الصحيفة الأوسع انتشارًا، وهي «أخبار اليوم»، وقد عرفت أسبابها فيما بعد، وقد يكون مناسبًا ذكرها في وقت آخر، حتى لا يضيع القصد وراء السرد!
الجنرال المناوي في المواجهة
البارحة، وبالتحديد في صيف 2008، كان المرزوقي ضيفًا على «الاتجاه المعاكس»، ويقابله الجنرال المصري رؤوف المناوي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، وكانت مناظرة غير متكافئة، وبدت بين الضحية والجلاد، الذي حول الاستوديو إلى مخفر، والبرنامج إلى ميدان لإلقاء الاتهامات جزافًا، بالتمويل الأجنبي، وما لم يقدم عليه دليل. وهل يحتاج ضابط بوليس إلى أدلة على ما يقول؟ إن هذا ضد طبائع الأشياء!
كان البرنامج فرصة لرؤوف المناوي ليثبت حضورًا بعد غياب، وهو الذي سخر إمكانات وزارة الداخلية من أجل تلميع نفسه بصفته مساعد الوزير لشؤون الإعلام، وكان يطمع أن تختاره السلطة وزيرًا للإعلام خلفًا لصفوت الشريف، وأنشأ ما يسمى بمركز الإعلام الأمني، واندفع أكاديميون في كلية الإعلام يقولون إنه إنجاز كبير، سوف يجعلون منه موضوعًا للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، واستضاف كتابًا وشعراء في أمسيات في الوزارة، وقال الشاعر عبد الرحمن الأبنودي إن الإلهام لم يعد يتنزل عليه إلا في أمسيات مركز الإعلام الأمني!
وفتحت مجلة الشرطة صفحاتها لكتاب كانوا محسوبين على المعارضة، من صلاح عيسى إلى جمال بدوي، وقد استغل المناوي نزاهة الوزير حسن الألفي، وكان ذراعه اليمنى، في أن يتمدد ويتوغل ويتصرف على أنه الوزير. وحدث أن كانت العمليات الإرهابية كثيرة في هذا الوقت، ومع كل عملية يكون البيان أن الجاني مجنون، وكتبت مقالًا معلقة، حمل عنوان المسرحية الفكاهية «واحد ليمون والثاني مجنون» لسمير غانم، وكانت تعرض على المسرح في هذه الفترة.
واتصل بي المناوي يدعوني لمكتبه في الوزارة، واعتذرت له، ومع هذا واصل الحديث بشكل هين لين، فأدركت مواهبه في اختراق المشهد الإعلامي، لكنه في «الاتجاه المعاكس»، في مواجهة المنصف المرزوقي، كان ضابط بوليس شبيحًا، وكان أمامه مثقف كبير، جاء ليناقش موضوع الحلقة «هل الشرطة العربية في خدمة الشعب؟» بالمنطق والدليل والمعلومة، وقد وجد نفسه أمام ثور هائج يمتلك من قوة الأحبال الصوتية ما يمكنه من العمل في سوق الخضار، فهم بالانسحاب!
مطلوب للعدالة.. والمساس بسيادة الدولة
واستفزني الأمر، فكان موضوعًا في هذه الزاوية بـ«القدس العربي»، دافعت فيها عن المرزوقي وقوة بيانه، وأدنت فيها الجنرال الذي كشف لي، وأنا أتذكر نعومة حديثه، بأن العرق دساس، فالطبع غلب التطبع!
ولم تستدع السلطات التونسية السفير القطري لتبلغه الاحتجاج شديد اللهجة على استضافة المنصف المرزوقي، بيد أن الرئيس قيس سعيد استن سنة أعتقد أن غيره سيقلده فيها، عندما كلف وزارة الخارجية باستدعاء السفيرة الفرنسية وإبلاغها الاحتجاج الشديد على ضيفها المنصف المرزوقي!
ولم تشعر السلطات بالخجل، ليس فقط وهي تستدعي ممثل دولة أجنبية لأمر كهذا، ولكن وهي تطلق على رئيس الدولة السابق اتهامات من نوعية «مطلوب للعدالة»، و«المساس بسيادة الدولة التونسية»، و«استهداف أمنها القومي».. دولة هذه أم بيت العنكبوت؟!
لم يقل المرزوقي شيئًا على غير الحقيقة، وهو يصف الأوضاع في الخضراء التي ينتظرها انفجار اجتماعي وشيك بسبب الأزمات الاقتصادية وانقطاع الخدمات!
وكان على الرئيس قيس سعيد أن يطلب أن يحل ضيفًا ليرد عليه، وقد كان على فراش المرض، حسب ما نشر وقتها، فكان يمكن أن يرسل بيانًا بالرد، لكنه يدرك أنه لا يوجد لديه ما يقوله ويفند به هذا التوصيف للحالة، فتعلق بأستار الاستبداد، وإن حرص على أن يبرر لفعلته هذه بأن وضع الإعلام الفرنسي يرتب على الحكومة مسؤولية أخلاقية لا يمكن التنصل منها بذرائع الحرية الإعلامية.
وقد كانت الجملة الأخيرة سببًا في أن أعكف على دراسة الحالة الإعلامية الفرنسية خلال الأسبوع المنصرم، وقد اكتشفت أنها حالة جديرة بالدراسة، وقد استغرقتنا دراسة الحالة البريطانية ومقارنتها بأوضاعنا العربية، وهي مقارنة لا تجوز مع بلد الحريات الواسعة، لكن الحالة الفرنسية فيها ما يثير وما يدعو للتأمل في تفاصيلها، من حيث ملكية وسائل الإعلام وتمويلها، ومن حيث المؤسسات وتشكيلها، وقيس سعيد يقول إن الوضع يرتب مسؤولية أخلاقية على الحكومة التي استدعى سفيرتها، وأبلغتها الخارجية التونسية رسالة شديدة اللهجة!
«فرانس 24» مملوكة للدولة الفرنسية، والدولة تساهم في تمويل الإعلام، عامه وخاصه، من الموازنة العامة، لكن هناك فصلًا بين الملكية والتمويل والإدارة والإعلام، وليس من سلطة الحكومة التدخل لإخضاع الإعلام لإرادتها، ليكون هناك مبرر لاستدعاء السفيرة وتحميل أولي الأمر في باريس مسؤولية إذاعة مقابلة مع رئيس الدولة التونسية السابق، لنكون أمام نموذج فريد في الاستبداد العربي، هو أنه لا يبرر لموقفه، ولكن يرجو من الدول الغربية التطبع بطباعه!
يبدو أن نظام الحكم القائم في تونس ليس واثقًا من نفسه، لدرجة أن تربكه مقابلة تلفزيونية في قناة محدودة الانتشار، ولم أعرف بأمرها إلا من خلال دعاية السلطة لها!
فماذا لو قال المرزوقي هذا الكلام في «الجزيرة» مثلًا، هل كان قيس سعيد سيقع من طوله؟!
أرض – جو:
وبعد اجتماع رئاسي مع رؤساء الهيئات الإعلامية الثلاث في مصر، مع رئيس الجمهورية، تقرر البدء في المشروع القومي برقمنة تراث ماسبيرو.
وكنت أتمنى أن يسبق هذا المشروع العمل على إعادة تراث ماسبيرو المنهوب، ولو بشرائه، ثم إعادة معالجته ليكون جيدًا عند العرض. وأعتقد أن الاجتماع الأهم كان يستدعي حضور ثلاث من النسوة، وتكليفهن بمهمة استرداد هذا التراث، وهن السيدات الفاضلات: إسعاد يونس، وصفاء أبو السعود، وهالة سرحان، لخبرتهن الواسعة في مجال الإعلام.
ثم بعد ذلك تبدأ المعالجة، ثم الرقمنة، ولا مانع من أن تنتهي المهمة بالتحنيط.