المغرب يراهن على الاستثمار بعد تحسن مؤشرات النمو

استراتيجية المغرب لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي

الرائد: تشير أحدث التقديرات الاقتصادية المتعلقة بالمغرب إلى استمرار نمو الاقتصاد بدعم من الزراعة والاستثمار والبنية التحتية،وتتوقع المؤسسات الدولية استمرار النمو خلال 2026 مع بقاء التضخم عند مستويات منخفضة نسبياً. ويعتبر صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد المغربي يتمتع بمرونة واضحة رغم التحديات الخارجية.

ويمضي المغرب بخطى ثابتة نحو تحويل مكاسبه الاقتصادية الأخيرة إلى رافعة حقيقية للتنمية، مراهناً على جذب الاستثمارات النوعية كأولوية قصوى لتعزيز استدامة هذا الانتعاش والمحافظة على وتيرة الصعود المالي. ويأتي هذا الحراك التنموي مدفوعاً بتحسن ملحوظ في مؤشرات النمو والتوازنات الماكرو-اقتصادية، مما يعزز ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين الأجانب في بيئة الأعمال بالمملكة، ويفتح آفاقاً واعدة لتنويع الشراكات، وخلق فرص الشغل، وتوطين الصناعات الحديثة لضمان مستقبل اقتصادي أكثر مرونة وتنافسية.

في هذا السياق تتجه الأنظار إلى أداء الاقتصاد المغربي خلال سنة 2026، في ظل توقعات حكومية متفائلة بإمكانية بلوغ معدل نمو يصل إلى 5,2 في المائة؛ وهو مستوى لم يسجله الاقتصاد الوطني منذ سنوات. وبينما ترى الحكومة أن المؤشرات الحالية تدعم هذا الطموح، يؤكد خبراء اقتصاديون أن تحقيق هذا الهدف أصبح ممكنا بفضل انتعاش الأنشطة الفلاحية وغير الفلاحية، مع التشديد في الوقت ذاته على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نسبة النمو في حد ذاتها؛ بل في مدى انعكاسها على التشغيل وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

أكد مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن “أرقام النمو لا تقبل إلا قراءة واحدة”، مشيرا إلى أن الاقتصاد المغربي انتقل من معدل نمو بلغ 1,8 في المائة سنة 2022 إلى 3,7 في المائة سنة 2023، قبل أن يرتفع إلى 4,4 في المائة سنة 2024 ويصل إلى 4,9 في المائة خلال سنة 2025.

وأوضح بايتاس، خلال ندوة التي تلت المجلس الحكومي، أن هذه النتائج تعكس أثر السياسات العمومية والإجراءات التي اعتمدتها الحكومة، متوقعا أن يختتم الاقتصاد الوطني سنة 2026 بمعدل نمو يقارب 5,2 في المائة.

قال محمد جدري، الخبير الاقتصادي، إن بلوغ معدل نمو يتراوح بين 5,2 في المائة و5,3 في المائة أصبح “في المتناول”، مبرزا أن الاقتصاد المغربي نجح خلال السنتين الأخيرتين في تحقيق معدلات نمو قاربت 5 في المائة بفضل الأداء القوي للقطاعات غير الفلاحية.

وأوضح جدري، ضمن تصريح لهسبريس، أن صناعات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية والإلكترونية، إلى جانب قطاعي السياحة والفوسفاط والخدمات، أصبحت تشكل قاعدة صلبة للنمو الاقتصادي، مشيرا إلى أن هذه القطاعات تساهم حاليا بمعدلات نمو مستقرة وقوية.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن المتغير الأساسي خلال السنة الجارية يتمثل في الموسم الفلاحي الاستثنائي، بعدما ساهمت التساقطات المطرية المهمة في رفع الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ.

وأشار المتحدث عينه إلى أن القيمة المضافة الفلاحية قد ترتفع بأكثر من 15 في المائة، مع توقع محصول من الحبوب يتجاوز 90 مليون قنطار، مقارنة بما بين 30 و40 مليون قنطار خلال سنوات الجفاف السابقة.

واعتبر جدري أن هذه المعطيات تجعل تحقيق نمو يفوق 5 في المائة أمرا واردا جدا؛ بل ضروريا أيضا لبلوغ أهداف النموذج التنموي الجديد، الذي يراهن على معدلات نمو تتراوح بين 5 في المائة و7 في المائة خلال الفترة الممتدة إلى غاية سنة 2030، بما يسمح بخلق الثروة وفرص الشغل واستيعاب مئات الآلاف من الوافدين سنويا على سوق العمل.

بدوره، اعتبر يوسف كراوي الفيلالي، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن الوصول إلى نسبة نمو تناهز 5 في المائة أو تتجاوزها بشكل طفيف يبقى أمرا ممكنا في ظل المؤشرات الحالية.

وأوضح كراوي الفيلالي، ضمن تصريح لهسبريس، أن الموسم الفلاحي الجيد واستمرار دينامية القطاعات الصناعية والخدماتية والسياحية تشكل كلها عوامل داعمة للنمو، مشيرا إلى أن آخر توقعات المندوبية السامية للتخطيط تضع معدل النمو في حدود 4,9 في المائة؛ ما يجعل بلوغ 5,1 في المائة أو 5,2 في المائة احتمالا واردا.

وشدد الخبير الاقتصادي عينه على أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام، بل يجب أن يمتد إلى نوعية النمو وآثاره الاجتماعية والاقتصادية.

وأوضح المتحدث ذاته أن الاقتصاد المغربي قد يحقق 5 في المائة من النمو؛ لكن ذلك لا يعني بالضرورة توفير مناصب شغل كافية للشباب أو تحسين القدرة الشرائية للأسر أو تعزيز الطبقة المتوسطة أو الحد من إفلاس المقاولات.

وأضاف كراوي الفيلالي أن الإشكالية المطروحة اليوم هي أن عددا من المؤشرات التنموية الأساسية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، على الرغم من تحسن معدلات النمو، معتبرا أن المغرب يواجه تحديا نوعيا أكثر منه كميا؛ يتمثل في ضمان تحول النمو الاقتصادي إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

المصادر:
صندوق النقد الدولي.
تقارير البنك الدولي.